الفتوحات المكية - طبعة بولاق الثالثة (القاهرة / الميمنية) |
![]() |
![]() |
|||||||||
الصفحة - من الجزء (عرض الصورة)
أبي مدين صحبه ببجاية فكان يوما بالطواف و هو يشاهد الملائكة تطوف مع الناس فنظر إليهم و إذا هم قد تركوا الطواف و خرجوا من المسجد سراعا فلم يدر ما سبب ذلك حتى بقيت الكعبة ما عندها ملك و إذا بالجمال بالأجراس في أعناقها قد دخلت المسجد بالروايا تسقى الناس فلما خرجوا رجعت الملائكة و «قد ثبت أن الجرس مزامير الشيطان» و الذي أوصيك به أن تحافظ على أن تشتري نفسك من اللّٰه بعتق رقبتك من النار «بأن تقول لا إله إلا اللّٰه سبعين ألف مرة فإن اللّٰه يعتق رقبتك بها من النار أو رقبة من تقولها عنه من الناس ورد في ذلك خبر نبوي» و لقد أخبرني أبو العباس أحمد بن علي بن ميمون بن أبو التوزري عرف بالقسطلاني بمصر قال في هذا الأمر إن الشيخ أبا الربيع الكفيف المالقي كان على مائدة طعام و كان قد ذكر هذا الذكر و ما وهبه لأحد و كان معهم على المائدة شاب صغير من أهل الكشف من الصالحين فعند ما مد يده إلى الطعام بكى فقال له الحاضرون ما شأنك تبكي فقال هذه جهنم أراها و أرى أمي فيها و امتنع من الطعام فأخذ في البكاء قال الشيخ أبو الربيع فقلت في نفسي اللهم إنك تعلم أني قد هللت بهذه السبعين ألفا و قد جعلتها عتق أم هذا الصبي من النار هذا كله في نفسي فقال الصبي الحمد لله أرى أمي قد خرجت من النار و ما أدري ما سبب خروجها و جعل الصبي يبتهج سرورا و أكل مع الجماعة قال أبو الربيع فصح عندي هذا الخبر النبوي بكشف هذا الصبي و صح عندي كشف هذا الصبي بالخبر و قد عملت أنا على هذا الحديث و رأيت له بركة في زوجتي لما ماتت و عليك بإصلاح ذات البين و هو الفراق فإن الإصلاح بين الناس من الخبر المعين في الكتاب و إذا كان اللّٰه قد رغب بل أمر المسلمين إذا جنح الكفار إلى السلم أن يجنحوا لها : فأحرى الصلح بين المتهاجرين من المسلمين و إياك و إفساد ذات البين فإنها الحالقة و البين هنا هو الوصل و معنى قول النبي ﷺ الحالقة إنها تحلق الحسنات كما يحلق الحلاق الشعر من الرأس قال اللّٰه تعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:94] بالرفع يعني الوصل و البين في اللسان من الأضداد كالجون يا ولى أطعم عبدك مما تأكل و ألبسه مما تلبس و راع قدره و انظر فيما «ثبت فيهم من رسول اللّٰه ﷺ بقوله إخوانكم خولكم جعلهم اللّٰه تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل و ليلبسه مما يلبس» و اغتنم صحة البدن و الفراغ من شغل الدنيا و استعن بهاتين النعمتين اللتين أنعم اللّٰه عليك بهما على طاعة اللّٰه فإنه ما أصح بدنك و لا فرغك من هموم الدنيا إلا لطاعته و القيام بحدوده و إلا كانت الحجة عليك لله فاحذر إن يكون اللّٰه خصمك و لتقل في كل يوم عند كل صباح مائة مرة سبحان اللّٰه و بحمده سبحان اللّٰه العظيم فإن هذا الذكر لا يبقى عليك ذنبا (وصية)عليك بحفظ جوارحك فإنه من أرسل جوارحه أتعب قلبه و ذلك أن الإنسان لا يزال في راحة حتى يرسل جوارحه فربما نظر إلى صورة حسنة تعلق قلبه بها و يكون صاحب تلك الصورة من المنعة بحيث لا يقدر هذا الناظر على الوصول إليها فلا يزال في تعب من حبها يسهر الليل و لا يهنأ له عيش هذا إذا كان حلالا فكيف به إن كان أرسله فيما لا يحل له النظر إليه فلهذا أمرنا بتقييد الجوارح فإن زنا العيون النظر و زنا اللسان النطق بما حرم عليه و زنا الأذن الاستماع إلى ما حجر عليه و زنا اليد البطش و زنا الرجل السعي و كل جارحة تصرفت فيما حرم عليها التصرف فيه فذلك التصرف منها على هذا الوجه الحرام هو زناها فاللسان يقول بعضهم هو الذي أوردني الموارد المهلكة و «قال ﷺ و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم» قال اللّٰه تعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:24] يعني بها فتقول اليد بطش بي في كذا يعني في غير حق فيما حرم عليه البطش فيه و تقول الرجل كذلك و اللسان و البصر و جميع الجوارح كذلك ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء:36] «خرج مسلم عن محمد بن أبي عمر عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول اللّٰه هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول اللّٰه ﷺ و الذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم» فيلقي العبد فيقول أي قل أ لم أكرمك و أسودك و أزوجك و أسخر لك الخيل و الإبل و أذرك ترأس و تربع فيقول بلى يا رب فيقول أ فظننت إنك ملاقي فيقول آمنت بك و بكتابك و برسلك و صليت و صمت و تصدقت و يثني بخير ما استطاع فيقول هاهنا أذن قال ثم يقال له الآن نبعث شاهدا |
|
|||||||||
![]() |
![]() |
|||||||||
| الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ترقيم الصفحات موافق لطبعة القاهرة (دار الكتب العربية الكبرى) - المعروفة بالطبعة الميمنية. وقد تم إضافة عناوين فرعية ضمن قوسين مربعين. |
||||||||||





