الفتوحات المكية - طبعة بولاق الثالثة (القاهرة / الميمنية) |
![]() |
![]() |
|||||||||
الصفحة - من الجزء (عرض الصورة)
عن الحد و المقدار فإنه رحم أقرب جار إليه و هي نفسه و رحم صورة خلقها اللّٰه على صورته فجمع بين الحسنيين مراعاة قرب الجوار و مراعاة الصورة و أي جار سوى نفسه فهو أبعد منها و لذلك أمر الداعي إذا دعا أن يبدأ بنفسه أولا مراعاة لحقها و السر الآخر أن الداعي لغيره يحصل في نفسه افتقار غيره إليه و يذهل عن افتقاره فربما يدخله زهو و عجب بنفسه لذاك و هو داء عظيم فأمره رسول اللّٰه ﷺ أن يبدأ لنفسه بالدعاء فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب و المنة على الغير و في أثر ذلك يدعو للغير على افتقار و طهارة فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء ثم يدعو لغيره فإنه أقرب إلى الإجابة لأنه أخلص في الاضطرار و العبودية و مثل هذا النظر مغفول عنه لا أحد أعظم من الوالدين و أكبر بعد الرسل حقا منهما على المؤمن و مع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه فقال نوح ع ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ﴾ [نوح:28] و قال الخليل إبراهيم عليه السّلام في دعائه ﴿وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ﴾ [ابراهيم:35] فقدم نفسه ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاٰةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [ابراهيم:40] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوٰالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسٰابُ﴾ [ابراهيم:41] فبدأ بنفسه و قال ﴿أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90] و إنما أوصيتك بالأذان لما فيه عند اللّٰه يوم القيامة فإن المؤذنين أطول الناس أعناقا في ذلك اليوم يقول تمتد أعناقهم دون الناس لينظروا ما أثابهم اللّٰه به و ما أعطاهم من الجزاء على أذانهم هذا إن كان من الطول فإن كان من الطول الذي هو الفضل و العنق الجماعة فهم أفضل الناس جماعة و من رواه بكسر الهمزة فهو أفضلهم سيرا لما يرونه من الخير الذي لهم على الأذان فإن المؤذن يحافظ على الأوقات فهو يسرع إلى الإعلام بدخول وقت الصلاة فإنه مراع ذلك (وصية)و إن كنت واليا فاقض بالحق بين الناس ﴿وَ لاٰ تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ﴾ [ص:26] و سبيل اللّٰه هو ما شرعه لعباده في كتبه و على ألسنة رسله ﴿اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ شَدِيدٌ بِمٰا نَسُوا يَوْمَ الْحِسٰابِ﴾ [ص:26] يعني به و اللّٰه أعلم يوم الدنيا حيث لم يحاسبوا نفوسهم فيه فإن النسيان الترك «يقول رسول اللّٰه ﷺ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» و لقد أشهدني اللّٰه في هذا مشهدا عظيما بإشبيلية سنة ست و ثمانين و خمسمائة و يوم الدنيا أيضا هو يوم الدين أي يوم الجزاء لما فيه من إقامة الحدود ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:41] و هذا عين الجزاء و هو أحسن في حق العبد المذنب من جزاء الآخرة لأن جزاء الدنيا مذكر و هو يوم عمل و الآخرة ليست كذلك و لهذا قال في الدنيا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:72] يعني إلى اللّٰه بالتوبة فيوم الجزاء أيضا يوم الدنيا كما هو يوم الآخرة و هو في يوم الدنيا أنفع فاقض بالحق فإن اللّٰه قد قضى في الدنيا بالحق بما شرعه لعباده و في الآخرة بما قال فإن القضاة في الدنيا ثلاث واحد في الجنة و اثنان في النار و الذي أوصيك به إذا فتح اللّٰه عين بصيرتك و رزقك الرجوع إليه المسمى توبة فانظر أي حالة أنت عليها من الخير لا تزل عنها إن كنت واليا أثبت على ولايتك و إن كنت عزبا أثبت على ذلك و إن كنت ذا زوجة فلا تطلق و اثبت على ذلك مع أهلك و اشرع في العمل بتقوى اللّٰه في الحالة التي أنت عليها من الخير كانت ما كانت فإن لله في كل حال باب قربة إليه تعالى فاقرع ذلك الباب يفتح لك و لا تحرم نفسك خيره و أقل الأحوال إنك في الحال التي كنت عليها في زمان مخالفتك إذا ثبت عليها عند توبتك تحمدك تلك الحالة فإن فارقتها كانت عليك لا لك فإنها ما رأت منك خيرا و هذا معنى دقيق لطيف لا ينتبه له كل أحد فإنها لا تشهد لك إلا بما رأته منك فإذا رأت منك خيرا شهدت لك به و لا يفوتك ما ذكرته لك من نيل ما فيها من الخير المشروع و أعني بذلك كل حال أنت عليها من المباحات فإن توبتك إنما كان رجوعك عن المخالفات و إياك أن تتحرك بحركة إلا و أنت تنوي فيها قربة إلى اللّٰه حتى المباح إذا كنت في أمر مباح فانو فيه القربة إلى اللّٰه من حيث إيمانك به أنه مباح و لذلك أتيته فتؤجر فيه و لا بد حتى المعصية إذا أتيتها انو المعصية فيها فتؤجر على الايمان بها إنها معصية و لذلك لا تخلص معصية المؤمن أبدا من غير أن يخالطها عمل صالح و هو الايمان بكونها معصية و هم من الذين قال اللّٰه فيهم ﴿وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة:102] فهذا معنى المخالطة فالعمل الصالح هنا الايمان بالعمل الآخر السيئ أنه سيئ و عسى من اللّٰه واجبة فترجع عليهم بالرحمة |
|
|||||||||
![]() |
![]() |
|||||||||
| الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ترقيم الصفحات موافق لطبعة القاهرة (دار الكتب العربية الكبرى) - المعروفة بالطبعة الميمنية. وقد تم إضافة عناوين فرعية ضمن قوسين مربعين. |
||||||||||




