المقام فهٰذا معنى لا يتطيرون، أي لا يعملون على الحظوظ.
وقوله: «ولا يكتوون» فإن الاكتواء لا يكون إلا بالنار، وقد عصمهم الله أن تمسهم النار، فيجدون في نفوسهم أنهم لا يكتوون وتلك عصمة إلهية من حيث لا يشعرون.
وقوله: «وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» أي يتخذونه وكيلا، فيتكلون عليه اتكال الموكل على الوكيل وهي معرفة وسطى، جاءتهم من القصد الثاني فرأوا إن الله خلق الأشياء لهم وخلقهم له، فاتخذوه وكيلا فيما خلق لهم ليتفرغوا إلى ما خلقوا له.
(القصد الأول والقصد الثاني)
وإنما قلنا مرتبة وسطى لأن فوقها المرتبة العالية، وهو القصد الأول؛ فإن الله ما خلق شيئا من العالم كله إلا له ليسبحه بحمده، وننتفع نحن بحكم العناية والتبعية. والقصد الثاني هو هذا؛ لأنه سخّر لنا ﴿ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية: 13]، فلِما سوانا قصدان في الخلق؛ فالعالم الإنساني وغير الإنساني يتوكل عليه في أمره كله، لأنه مؤمن بأن لله تعالى في كل شيء وجها.
ولا يقول به إلا المؤمن؛ إذ كان غير المؤمن من الناس خاصة من يقول إن الله ما وجد عنه بطريق العلية إلا واحد ولا علم له بجزئيات العالم على التفصيل إلا بالعلم الكلي الذي يندرج فيه جميع العلم بالجزئيات، فلهٰذا جعل التوكل