فرأى الحق فيها استيحاشا وخوفا من المكر الإلهي فأشهدها حضرة التبديل، وأشهدها مآل المكلفين إلى الرحمة وتلا عليها: ﴿يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: 70] وتلا عليها في المسرفين: ﴿لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: 53] فأزال وحشتها، وقبلت من القرين الشر الذي جاء به إليها فسر بما وقع منها من القبول بجهله لعموم الرحمة وعموم العفو والمغفرة وإن الله ما جعل العفو إلا لهٰذا الصنف الذي يتلقى من الشيطان القرين ما جاء به من الشر.
وما علم إن الله قد جعل النفس في قبولها شر القرين باللجاج والإلحاح منزلة المكره، والمكره غير مؤاخذ، فسمى الشر لجاجة بشارة إلهية لا يشعر بها كل أحد.
(نشأة النفس وقبول الخير)
وجعل الخير عادة فإن النفس بالذات خيرة؛ لأن أباها الروح القدسي الطاهر فطبعها الخير لا غيره، وأمها هذه الصورة المسواة من هذه الأخلاط، فأول قبول ظهر فيها قبول السواء والعدل وهو قوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: 7] وقبول العدل عين الخير، وقبلت بالأصالة هذه النشأة مجاورة الأضداد وهي الأخلاط، ومن عادة الضد المنافرة عن ضده، ولم يوجد هنا تنافر فدل على