فاعلم إن سر الإخلاص هو سر القدر الذي أخفى الله علمه عن العالم، لا بل عن أكثر العالم، فميز الأشياء بحدودها فهٰذا معنى سر القدر؛ فإنه التوقيت عينه وبه تميزت الأشياء وبه تميز الخالق من المخلوق والمحدث من القديم فتميز المحدث بنعت ثابت يعلم ويشهد وما تميز القديم من المحدث بنعت ثبوتي يعلم، بل تميز بسلب ما تميز به المحدث عنه لا غير فهو المعلوم سبحانه المجهول، فلا يعلم إلا هو ولا يجهل إلا هو فسبحان من كان العلم به عين الجهل به وكان الجهل به عين العلم به وأعظم من هٰذا التمييز لا يكون ولا أوضح منه لمن عقل واستبصر.
(الجزاء الموافق للعمل)
وأما الإخلاص في الدين فهو الجزاء الوفاق فما ثم إلا جزاء وفاق لا ينقص ولا يزيد؛ فإن الله جعله ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ إنباء عن حقيقة؛ لأن المجازى لا يمكن أن يقبل ما لا يعطيه استعداده وباستعداده قبل ما ظهر عليه من الدين الذي يطلب الجزاء فبه بعينه أعني الاستعداد، قبل الجزاء فكان الجزاء وفاقا والجزاء ما هو إلا للعمل، ولا يأخذه العامل إلا من عمله.
ولهٰذا قيل إن في الجنة «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وهو الصحيح؛ فإنه يصدر من العاملين