وفرق عز وجل بين عباده بالمراتب، وعين الجمع هو عين التفرقة إذ هو دليل على الكثرة، وإنما سمي جمعا من أجل العين الواحدة التي تجمع هذه التفرقة.
(الحدود وما ينسب إلى العبد)
فقول من قال في التفرقة إنها «إشارة من أشار إلى خلق بلا حق»، فمشهوده ما أعطته الحدود، والحدود لم يكن لها ظهور إلا في الخلق، إذ كان الحق لا يعرف، لأنه الغني عن العالمين، أي هو المنزه عن إن تدل عليه علامة. فهو المعروف بغير حد، المجهول، والحدود أظهرت التفرقة بين الخلق.
وكل إنسان من أهل الذوق لا يتعدى في أخباره منزلة شهوده وذوقه، لأنهم أهل صدق لا يخبرون أبدا إلا عن شهود لا عن خبر. وأما قول الدقاق: «الفرق (هو) ما نسبت إليك»، فهو ما ذكرناه، فإنه ما نسبت إليك إلا الحدود، إذ الحق لا ينسب إليه حد.
وجميع ما ينسب إلى العبد فمآله إلى الفناء والعدم، وما ينسب إلى الحق فمآله إلى بقاء الوجود؛ فكن ممن ينسب إلى الحق ولا ينسب إلى الخلق. وهو معنى قوله تعالى: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦]، فوصف بالنفاد ما نسبه إلينا، و«ما» لفظة تدل على كل شيء، كذا قاله سيبويه، ﴿وما عِنْدَ الله باقٍ﴾.
فمن كان عند الله منا صح له البقاء، ومن كان عند الخلق صح له