الصورة المتخيلة، أفرطت في القرب فلم يشاهدها، فكان يطلبها طلب الفاقد. ألا تراه حين جاءته من خارج، فلم تطابق صورتها الظاهرة الصورة الباطنة المتخيلة التي مسكها في خياله منها، فرآها كأنها مزاحمة لتلك الصورة، فخاف فقدها، فقال لها: "إليك عني، فإن حبك شغلني عنك". يريد أن تلك الصورة هي عين الحب. فبقي يطلبها: "ليلى ليلى".
فإذا تقوت تلك الصورة في خيال المحب، أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحس. مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط، أو يتوهم أمرا ما مفزعا، فيتغير له المزاج، فتتغير صورة حسه. كذلك هذه الصورة إذا تقوت أثرت في المحبوب؛ فقيدته وصيرته أشد طلبا لها، منها له. فإن النفوس قد جبلت على حب الرئاسة، والمحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب. فالمحبوب لا تكون له رئاسة إلا بوجود هٰذا المحب، فيعشقه على قدر عشقه رئاسته، وإنما يتيه عليه للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب، بأن المحب لا يصبر عنه وهو طالب إياه، فتأخذه العزة ظاهرا، وهو الطالب له باطنا، ولا يرى في الوجود أحدا مثله، لكونه ملكه.
فالمحب لا يعلل فعل المحبوب، لأن التعليل من صفات العقل، ولا عقل للمحب. يقول بعضهم:
ولا خير في حب يدبر بالعقل