ثم إن قوة الحب في المحب تجعله يحب لقاء محبوبه، ويجبن عن لقائه، لأنه لا يرى في نفسه قوة للقائه. ولهذا يغشى على المحب إذا لقي المحبوب ويصعق. ومن فيه فضلة -وحبه ناقص- يعتريه عند لقاء محبوبه ارتعاد وخبلان، كما قال بعضهم:
أفكر ما أقول إذا التقينا
وأحكم دائبا حجج المقال
فأنساها إذا نحن التقينا
وأنطق حين أنطق بالمحال
ثم إن قوة الحب الطبيعي تشجع المحب بين يدي محبوبه: له، لا عليه. فالمحب جبان، شجاع، مقدام. فلا يزال هٰذا حاله ما دامت تلك الصورة موجودة في خياله إلى أن يموت وينحل نظامه، أو تزول عن خياله فيسلو.
ومن الحب الطبيعي أن تلتبس تلك الصورة في خياله، فتلصق بصورة نفسه المتخيلة له، فإذا تقاربت الصورتان في خياله تقاربا مفرطا -وتلتصق به لصوق الهواء بالناظر- يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره، ويضيع ولا ينضبط له، للقرب المفرط. فيأخذه لذلك خبال وحيرة، مثل ما يأخذ من فقد محبوبه. وهذا هو الاشتياق. والشوق من البعد، والاشتياق من القرب المفرط. كان قيس ليلى في هٰذا المقام، حين كان يصيح: ليلى؛ ليلى؛ في كل ما يكلم به. فإنه كان يتخيل أنه فقيد لها. ولم يكن. وإنما قرب