الحرمان، فنعفو عنه فلا نجازيه، ونحسن إليه مما عندنا من الفضل على قدر ما تسمح به نفوسنا. فإنه ليس في وسعنا، ولا يملك مخلوق في الدنيا، ما يجازي به من الخير من أساء إليه، ولا يجد ذٰلك الخير ممن أحسن إليه في الدنيا.
ومن كان هٰذا عقده ونظره، كيف يجازي المسيء بالسيئة إذا كان مخيرا فيها؟ فلما آلى وحلف من أسيء إليه، فما وفى المسيء حقه، وإن لم يقصد المسيء إيصال ذٰلك الخير إليه، ولكن الايمان قصده. فينبغي له أن يدعو له: إن كان مشركا، بالإسلام، وإن كان مؤمنا، بالتوبة والصلاح.
ولو لم يكن ثم إخبار من الله بالخير الأخروي لمن أسيء إليه إذا صبر ولم يجاز، لكان المقرر في العرف بين الناس كافيا فيما في التجاوز والعفو والصفح عن المسيء، فإن ذٰلك من مكارم الأخلاق. ولولا إساءة هٰذا المسيء إلى ما اتصفت أنا، ولا ظهرت مني هذه المكارم من الأخلاق، كما أني لو عاقبته انتفت عني هذه الصفات في حقه، وكنت إلى الذم أقرب مني إلى أن أحمد على العقاب. فكيف والشرع قد جاء في ذٰلك بأن أجر من يعفو ويتجاوز ولا يجازي أنه على الله؟
(الوفاء والمشيئة وحدود الاعتراض)
فقد علمت إن قوله: «وقتا وفيت ووقتا لم أف»، إن ذٰلك راجع للوعد والوعيد بوجه، وراجع لما في خلق الله من الوفاء وعدم الوفاء، من كونهم ما فعلوا