وجعله كتابا لضم حروفه بعضها إلى بعض، وهو ترتيب العالم على الوجوه التي ذكرناها، وضم معانيه إلى حروفه، مأخوذ من كتيبة الجيش.
وإنما قلنا في بسطه إنه للرحمة لأنه منها نزل؛ كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ من الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٢، ٣] وقال تعالى في ذٰلك: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ من لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] فأحكام الآيات فيه وتفصيلها لا يعرفه إلا من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.
(الحكمة وإعطاء كل شيء حقه)
وصورة الحكمة التي أعطاها الحكيم الخبير أهل العناية (هي) علم مراتب الأمور وما تستحقه الموجودات والمعلومات من الحق الذي هو لها، وهو إعطاء كل شيء خلقه إعطاء إلهيا؛ ليعطي كل خلق حقه إعطاء كونيا بما آتانا الله.
فنعلم بالقوة ما يستحقه كل موجود في الحدود، ونفصله بعد ذٰلك آيات بالفعل لمن يعقل، كما أعطانيه الخبير الحكيم؛ فننزل الأمور منازلها ونعطيها حقها، ولا نتعدى بها مرتبتها فتفصيل الآيات والدلالات من المفصل إذا جعلها في أماكنها بهٰذا الشرط، لأنه ما كل مفصل حكيما، دليل على أنه قد أوتي الحكمة وعلم إحكام الآيات.
ورحمته بالآيات والموجودات التي هي الكتاب الإلهي