تجزى بها للقصد، والجوارح لا تجزى بها؛ لأنه ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات؛ فإنها مجبورة على السمع والطاعة لها.
فإن جارت النفوس، فعليها، وللجوارح رفع الحرج، بل لهم الخير الأتم؛ وإن عدلت النفوس، فلها وللجوارح فإن النفوس ولاة الحق على هذه الجوارح، والجوارح مأمورة مجبورة غير مختارة فيما تصرف فيه فهي مطيعة بكل وجه، والنفوس ليست كذٰلك.
ومن النفوس من لم يقم بما قصد له، فكان عاصيا مخالفا أمر الله حين أمره بالأعمال والعبادة. فالطائع تقع منه العبادة في حالة الاضطرار والاختيار وإن لم يكن مطيعا من حيث الأمر بالعمل فإن كان مطيعا طائعا، فقد فاز بوقوع ما قصد له في الخلق والأمر فإن لله ﴿الْخَلْقُ والْأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
وأما العاصي فلا تقع منه العبادة إلا في حال الاضطرار، لا في حال الاختيار وتقع منه صورة العمل، لا العمل المشروع له فهو مخالف أمر الله فلم يقم بما قصد له من الخلق والأمر.
(التفرغ للعبادة وما به القوام)
ولما خلق الله الثقلين في هٰذا المقام الذي قصده بخلقهم وهو أجلية الحق، فرغهم لذٰلك حتى لا تقوم لهم حجة بالاشتغال بما به قوامهم؛