فكل من له الأمر، فهو صاحب جد؛ لأن الأمر للتكوين؛ فما أراده كان، فليس بمفلس.
ومن خرج عن حقيقته، فقد زل عن طريقه. فما للخلق وللتكوين؟ إن قال أو أمر بحق، فالتكوين للحق، لا له، كما قال فيمن له التكوين: ﴿فتكون طائرا بإذني﴾ [المائدة: 110]، وفي آية أخرى: ﴿فيكون طائرا بإذن الله﴾ [آل عمران: 49]. فأعطاه وجرده.
فالبقاء على الأصل أولى، وهو قوله لأكرم الناس عليه وأتمهم في الشهود وأعلاهم في الوجود: «ليس لك من الأمر شيء»، فأفلسه ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: 13]؛ فإن الله ينشئكم في ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى﴾، إنها كانت فيما لا يعلم، ﴿فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: 62].
(العلم الجديد وموطن الإفلاس)
فأهل الله لا يبرحون في موطن الإفلاس، فهم في كل نفس على بينة، لا على لبس، في علم جديد لم يكن عنده؛ فإنه ينشئه دائما فيما لا يعلم، فليس بصاحب نظر ولا تدبير ولا روية؛ إذ لا يكون النظر إلا في مواد وجودية، وهي الحدود التي حبستهم عن العلم بالله، فهم في ﴿لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15]، وهم فيه، ﴿وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾.
فإذا دخلوا الجنة يوم القيامة، فلا ينزلون منها إلا فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وإذا لم يخطر على القلب، وله مقام التقليب في الوجوه،