في الملك بصفات سيده ظاهرا، وإن كانت عبوديته له مشهودة في باطنه.
فلم تعم عبوديته جميعه عند رعيته الذين هم أتباعه، وظهر ملكه بهم وبأتباعهم والأخذ عنه، فكان في مجاورتهم بالظاهر أقرب، وبذٰلك المقدار يستتر عنه من عبوديته؛ فإن الحقائق تعطي ذٰلك.
ولذٰلك كثيرا ما ينزل في الوحي على الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] وهذه آية دواء لهذه العلة.
(البكاء والنوح وخشية التكليف)
فبهٰذا المقدار كانت أحوال الأنبياء الرسل في الدنيا البكاء والنوح؛ فإنه موضع تُتَّقى فتنته. ومن كان ذٰلك حاله، أعني التقوى والاتقاء، كيف يفرح أو يلتذ من يتقي؟
فإن تقواه وحذره وخوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه، وعلمه بأنه مسئول عنه، لا يتركه يفرح ولا يسر بعزة المقام.
قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أتقاكم لله وأعلمكم بما أتقي»، حين قالت له الصحابة في اجتهاده: «قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، بعد قوله (تعالى) المنزل عليه صلى الله عليه وسلم: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وأمثال هٰذا.
وقال: ﴿إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال: ﴿اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقال: ﴿فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿واتَّقُوا الله