فكل ما لا تسعه عبارة من العلوم فهو بمنزلة من لم يبلغه الصوت، فهو بعيد عن المشير وليس ببعيد عما يراد منه، فإن الإشارة قد أفهمته ما يفهمه الكلام أو يبلغه الصوت.
وقد علمت قطعا أن المشير إذا كان الحق فإنه بعيد عن الحد الذي به يتميز العبد، فهٰذا بعد حقيقي لا بد منه، ولا يكون الأمر إلا هكذا؛ فلا بد من الإشارة وهي اللطيفة، فإنه معنى لطيف لا يشعر به.
ثم إنه وإن لم يكن بعد فهو بوح بعين العلة، وذٰلك أن الأصم يكون قريبا من المتكلم، ولكن قربه لا تقع به الفائدة لأنه لا يصل إليه الصوت لعلة الصمم، فيشير إليه مع القرب؛ كما يقول الحق على لسان عبده: «سمع الله لمن حمده»، فهٰذا غاية القرب مع وجود العلة وظهورها.
وأكثر من هٰذا القرب ما يكون، فإنه هو، مع قوله: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، ففرق وفصل. وأين هٰذا ممن جعل قوله قوله، وأنه المتكلم والقائل لا هو؟ فهٰذا قرب معلول، فهو قولهم: «وبوح بعين العلة».
ولهٰذا سميت لطيفة، لأنها أدرجت الرب في العبد، فقال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله﴾ [التوبة: ٦]، وكان المتكلم محمدا صلى الله عليه وسلم بكلام الله. وقال تعالى: «كنت سمعه وبصره ولسانه». وهذا من ألطف ما يكون: ظهور رب في صورة