يكتسب من هذه الصفة إضافة خاصة وهي الفقر إلى الله لا إلى غيره، وبه يثنى عليه وهو الذي يسعده ويقربه إلى الله ويشركه في هذه الإضافة كل وصف جبل عليه الإنسان مثل البخل والحرص والشره والحسد وغير ذٰلك؛ تشرف وتعلو بالإضافة والمصرف، وتتضع وتسفل بالإضافة والمصرف.
(فقر الملك إلى ملكه)
لا فقر أعظم من فقر الملوك؛ لأنه مفتقر إلى مشاعلي وإلى كل ما يصح له به الملك، وهو فقير إلى ملكه الذي يبقى عليه اسم الملك.
قيل للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله سنة إحدى وثمانين وخمسمائة لما ذكر أبو القمح المنجم أن ريحا عظيمة في هذه السنة تكون لا تمر على شيء إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ فأشار عليه بعض جلسائه أن يتخذ في الأرض سربا يكون فيه ليلة هبوب تلك الريح فقال: «ويهلك الناس؟» قيل له: «نعم». فقال: «إذا هلك الناس فعلى من أكون ملكا أو سلطانا؟ لا خير في الحياة بعد ذهاب الملك دعني أموت ملكا، والله لا فعلت».
فانظر ما أحسن هٰذا! فكل موجود إضافي متحقق بالفقر وإن لم يشعر بذٰلك، وإن وجده فلا يعلم أن ذٰلك هو المسمى فقرا.
وإذا كان حكمه هٰذا فالفقر إلى الله تعالى الذي ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: 83] ثابت وموجود، ولذٰلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ [آل عمران: 181] أي سنوجبه، أي سيعلمون