وما أوجب أن تنسبه إليه سبحانه، فانسبه إليه تعالى.
وما خيرك فيه، فإن شئت أن تقف ولا تعين، وإن شئت نظرت فما يتعلق بالمخير فيه من حمد، فانسبه إليه، وما تعلق به من ذم، فانسبه إلى نفسك[55]، أدبا مع الله، فإن الأدب عبارة عن جماع الخير، فما زلت عن مقام الفتوة.
(مثال التخيير ورعاية صلاح المزاج)
كان الشيخ أبو مدين رحمه الله، إذا جاءه مأكول طيب أكله، وإذا جاءه مأكول خشن أكله، وإذا جاع وجاءه نقد، علم إن الله قد خيره، إذ لو أراد أن يطعمه أي صنف شاء من المأكولات، جاء به إليه.
فيقول هٰذا النقد ثمن المأكول، جاء به الله، للتخيير، والاختيار، فينظر في ذٰلك الوقت ما هو الأحب إلى الله من المأكولات، بالنظر إلى صلاح المزاج للعبادة، لا إلى الغرض النفسي، واتباع الشهوة.
فإن وافقه كل مأكول، حينئذ يرجع إلى موطن الدنيا، وما ينبغي أن يعامل به من الزهد في ملذوذاتها، مع صلاح المزاج الذي تقوم بصلاحه العبادة المشروعة، فيعدل بحكم الموطن إلى شظف العيش، الذي تكرهه النفس لعدم اللذة به، ويكتفي بلذة الحاجة، فإنه يتناوله عند الضرورة، فإن لذة الضرورة ما فوقها لذة، لأن الطبع يطلبها، وإذا حصل للطبع طلبه، التذ به.
فالفتى هو من ذكرناه،