(تتمَّة الباب الخامس: في أسرار بسم الله الرَّحمن الرَّحيم)
وصل: قوله ﴿الله﴾ من ﴿بسم الله﴾
ينبغي لك، أيها المُسترشد، أن تعرف أوَّلاً ما تَحَصَّلَ في هٰذه الكلمة الكريمة من الحروف، وحينئذ يقع الكلام عليها إن شاء الله؛ وحروفها: أ، ل، ل، ا، ه، و. فأوَّل ما أقول كلاماً مجملاً مرموزاً ثُمَّ نأخذ في تبيينه ليسهل قبوله على عالَم التَّركيب.
وذٰلك أنَّ العبد تعلَّق بالأَلِفِ تعلُّقَ من اضطرَّ والْتجأ؛ فأظهرَتْهُ اللاَّم الأولى ظهوراً ورَّثه الفوز من العدم والنجاة، فلمَّا صحَّ ظهورُهُ وانتشر في الوجود نورُهُ وصحَّ تعلُّقه بالمسمّى وبطل تخلُّقُهُ بالأسماء، أفْنَتْهُ اللاَّم الثَّانية بشهود الأَلِفِ الَّتي بعدها فناءً لَم تُبْقِ منه باقيةً، وذٰلك عسى ينكشف له المعميُّ.
ثُمَّ جاءت الواو بعد الهاء لتُمكِّنَ المراد، وبقيَتْ الهاءُ لوجوده آخراً عند مَحْوِ العباد، من أجل العناد، فذٰلك أوان الأجَلِ المسمَّى.
وهٰذا هو المقام الَّذي تضمحلُّ فيه أحوال السَّائرين، وتنعدم فيه مقامات السَّالكين، حتى يفنى من لَم يكن (وهو الخلق)، ويبقى من لَم يزل (وهو الحقّ)، لا غير يثبُتُ لظهوره، ولا ظلام يبقى لنوره، «فإن لَم تكن ترَهُ»؛ اِعرفْ حقيقة «إن لَم تكن» تكن أنت، إذ كانت التَّاء من الحروف الزوائد في الأفعال المضارعة للذَّوات وهي العبودِيَّة.