وأما ما فيه من الضيق، فإنه ليس في وسع الخيال أن يقبل أمرا من الأمور الحسية والمعنوية والنسب والإضافة وجلال الله وذاته إلا بالصورة. ولو رام أن يدرك شيئا من غير صورة لم تعط حقيقته ذٰلك، لأنه عين الوهم لا غيره؛ فمن هنا هو ضيق في غاية الضيق، فإنه لا يجرد المعاني عن المواد أصلا.
ولهٰذا كان الحس أقرب شيء إليه، فإنه من الحس أخذ الصورة، وفي الصور الحسية يجلي المعاني، فهٰذا من ضيقه. وإنما كان هٰذا حتى لا يتصف بعدم التقييد وبإطلاق الوجود وبالفعال لما يريد إلا الله تعالى وحده، ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١].
فالخيال أوسع المعلومات، ومع هذه السعة العظيمة التي يحكم بها على كل شيء قد عجز أن يقبل المعاني مجردة عن المواد كما هي في ذاتها؛ فيرى العلم في صورة لبن أو عسل وخمر ولؤلؤ، ويرى الإسلام في صورة قبة وعمد، ويرى القرآن في صورة سمن وعسل، ويرى الدين في صورة قيد، ويرى الحق في صورة إنسان وفي صورة نور.
فهو الواسع الضيق،[53] والله واسع على الإطلاق، عليم بما أوجد الله عليه خلقه؛ كما قال تعالى: ﴿أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، أي بين الأمور على ما هي عليه بإعطاء كل شيء خلقه.
(نور الخيال والحكم على المدرك)
وأما كون القرن من نور، فإن النور سبب الكشف والظهور، إذ لو لا النور