هو القوة التي وراء طور العقل.[40]
فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل، ما قال: ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، فإن كل إنسان له عقل وما كل إنسان يعطي هذه القوة التي وراء طور العقل المسماة قلبا في هذه الآية؛ فلذٰلك قال: ﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. فالتقليب في القلب نظير التحول الإلهي في الصور.
فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب لا بالعقل، ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من الفكر. فلا يسعه سبحانه إلا أن يقلب ما عندك؛ ومعنى قلب ما عندك هو أنك علقت المعرفة به عز وجل وضبطت عندك في علمك أمرا ما.
وأعلى أمر ضبطته في علمك به أنه لا ينضبط سبحانه ولا يتقيد ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء؛ فلا ينضبط مضبوط لتميزه عما ينضبط، فقد انضبط ما لا ينضبط. مثل قولك: «العجز عن درك الإدراك إدراك».
(الجمع بين التنزيه والتشبيه)
والحق إنما وسعه القلب، ومعنى ذٰلك أن لا يحكم على الحق تعالى بأنه لا يقبل ولا لا يقبل؛[41] فإن ذات الحق وأنيته مجهولة عند الكون. ولا سيما وقد أخبر جل جلاله عن نفسه بالنقيضين في الكتاب والسنة؛ فشبه في موضع، ونزه في موضع ب﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وشبه بقوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فتفرقت خواطر التشبيه وتشتت خواطر التنزيه، فإن المنزه على الحقيقة قد قيده وحصره في تنزيهه وأخلي عنه التشبيه، والمشبه