العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة؛ حجبهم ذٰلك عن إن يعلموا أن لله عبادا تولى الله تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله.
وهو العلم الصحيح عن العالِم المعلِّم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن؛ فإن الذين قالوا إن الله لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفي العلم عنه بها، وإنما قصدوا بذٰلك أنه تعالى لا يتجدد له علم بشيء بل علمها مندرجة في علمه بالكليات. فأثبتوا له العلم سبحانه مع كونهم غير مؤمنين، وقصدوا تنزيهه سبحانه في ذٰلك وإن أخطئوا في التعبير عن ذٰلك.
فتولى الله بعنايته ببعض عباده تعليمهم بنفسه بإلهامه وإفهامه إياهم؛ ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس: ٨]، في أثر قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوَّاها﴾ [الشمس: ٧]. فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من الله لها، لتجتنب الفجور وتعمل بالتقوى.
(تنزيل الفهم على القلوب)
كما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه، كان تنزيل الفهم من الله على قلوب بعض المؤمنين به. فالأنبياء عليهم السلام ما قالت على الله ما لم يقل لها، ولا أخرجت ذٰلك من نفوسها ولا من أفكارها ولا تعملت فيه، بل جاءت به من عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]،