ذٰلك ما هو ثم.
(الأمر والنهي ومحل الفعل)
فإذا قيل لي: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] فلم أفعل فعصيت وخالفت أمر الله، فما تحت قولي «لم أفعل» و«خالفت» إلا أمر عدمي لا وجود له.
وكذٰلك في النهي إذا قيل لي: لا تفعل كذا، مثل قوله تعالى: ﴿لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات: ١٢] فلم أمتثل نهيه، ومدلول «لم أمتثل» عدم لا عين له في الوجود؛ لأنه نفي.
فاغتبت، ومعنى «فاغتبت»: أي ظهر في محلي عين موجودة أوجدها الحق بالأمر التكويني، وهو القول الموجود في لساني على طريق خاص يسمى الغيبة، فامتثل ذٰلك المقول في لساني أمر سيده وموجِده؛ بالإيجاد، وما أضيف إلي منه إلا كوني لم أمتثل نهيه، فانتفى عن محلي الامتثال، فما أخذت في الوجهين إلا بأمر عدمي، وهو ترك الأمر والنهي.
(الشئون والإرادة والاختيار)
ولا بد لي في كل نفس أن أكون في شأن، وذٰلك الشأن ليس لي؛ فإن الشأن الظاهر في وجودي إنما هو لله، وهو قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وفينا تظهر تلك الشئون، وأعياننا أيضا من تلك الشئون، والله شهيد على ما يخلق منا وفينا.
وقوله ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] هو ما جعل فينا من الإرادة الاختيارية في عين الجبر، فإنا محل لما يخلق فينا، فالمكلف مجبور في اختياره،