رَمى﴾ [الأنفال: ١٧]، فنفى عين ما أثبته.
فصار إثبات الرمي وسطا بين طرفي نفي، فالنفي الأول عين النفي الآخر.
فمن المحال أن يثبت عين الوسط بين النفيين، لأنه محصور، فيحكم عليه الحصر.
ولا سيما والنفي الآخر قد زاد على النفي الأول، بإثبات الرمي له، لا للوسط.
فثبت الرمي في الشهود الحسي لمحمد ص، ثبوتَ محمد ص في كلمة الحق؛ فكما هو رام لا رام، كذٰلك هو في الكلمة الإلهية محمد لا محمد.
إذ لو كان محمدا كما تشهد صورته، لكان راميا كما تَشهدُ رميه.
فلما نفى الرمي عنه الخبر الإلهي، انتفى عينه، إذ لا فرق بين عينه ورميه.
وهكذا ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ الله قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧].
وهذه هي البصيرة التي كان عليها الدعاة إلى الله، يعلمون من يدعو إلى الله، ومن يُدعى إلى الله.
(البصر والبصيرة واختلاف الحكم باختلاف الموطن)
فالإدراك واحد، فإذا أدرك به الأمر على ما هو عليه، سمي بصيرة، لأنه علم محقق.
وإذا أدرك به عين نسبة ما ظهر في الحس، سمي بصرا، فاختلفت الألقاب عليه باختلاف الموطن.
كما اختلف حكم عين الأداة، وإن كانت بصورة واحدة، حيث كانت تختلف باختلاف المواطن.
(اختلاف وظائف «ما» مع وحدة صورتها)
مثل أداة لفظة ما، لا شك أنها عين واحدة.
ففي موطن تكون نافية، مثل قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله﴾ [آل عمران: ٧].
وفي موطن