وما زال على هذه الحال حتى فجئه الحق، فرجع إلى الخلق ولم يزل فيهم، فإنه من لم يزل في غار حراء بنفسه، فما زال إلا من بعض الناس، لا من كل الناس، فافهم.
فلا بد لكل طالب ربه أن يخلو بنفسه مع ربه في سره، لأن الله ما جعل للإنسان ظاهرا وباطنا إلا ليخلو مع الله في باطنه ويشاهده في الظاهر في أسبابه، بعد أن ينظر إليه في باطنه حتى يميزه في عين الأسباب، وإلا فلا يعرف أبدا.
فما وقع من يرجع إلى الخلوة مع الله في باطنه إلا لأجل هٰذا؛ فباطن الإنسان بيت خلوته لو عقل عن الله.
(التجرد وظلمات الإمكان)
فلما علمت في أول الأمر إن الشأن على ما ذكرته، تجردت عن هيكلي هٰذا تجردا علميا حاليا، لجهلي بمكانة الحق من هٰذا الهيكل وعدم علمي بأن لله وجها في كل شيء.
فلما صرت عن هٰذا الهيكل أجنبيا نظرت إليه كأنه سبجة سوداء مظلم الأقطار، لم أر فيه من النور شيئا.
فسألت عن هذه الظلمة من أين لحقت؟ فقيل لي: «هذه ظلمة الطبيعة، فإن الظلمات ثلاث، تراكم بعضها على بعض حتى إذا أخرج أحد يده لم يكد يراها، فأحرى إن لا يراها؛ فنفى مقاربة الرؤية، فكيف الرؤية؟ فالظلمة حجاب إلهي يحجب عن الوجود الحق».
فقلت: «ما هذه الظلمات