وحب إلهي وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه كما قال: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] . ونهايته من الطرفين: أن يشاهد العبد كونه مظهرا للحق، وهو لذلك الحق الظاهر كالروح للجسم (الذي هو) باطنه، وغيب فيه لا يدرك أبدا، ولا يشهده إلا محب. وأن يكون الحق مظهرا للعبد: فيتصف بما يتصف به العبد من الحدود والمقادير والأعراض، ويشاهد هٰذا العبد؛ وحينئذ يكون محبوبا للحق. وإذا كان الأمر كما قلناه، فلا حد للحب -يعرف به- ذاتي. ولكن يحد بالحدود الرسمية واللفظية لا غير. فمن حد الحب ما عرفه، ومن لم يذقه شربا ما عرفه، ومن قال: "رويت منه" ما عرفه. فالحب شرب بلا ري. قال بعض المحجوبين: "شربت شربة فلم أظمأ بعدها أبدا. فقال أبو يزيد: الرجل من تحسى البحار، ولسانه خارج على صدره من العطش". وهذا هو الذي أشرنا إليه.
واعلم أنه قد يكون الحب طبيعيا والمحبوب ليس من عالم الطبيعة، ولا يكون الحب طبيعيا إلا إذا كان المحب من عالم الطبيعة، لا بد من ذٰلك. وذلك أن الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع، فيحدث في خيال الناظر مما رآه إن كان المحبوب ممن يدرك بالبصر، وفي خيال السامع مما سمع، فحمله في نشأته فصوره في خياله بالقوة المصورة.