التساوي في الفضلية.
(فضل المراتب ومعنى المفاضلة)
فصاحب هٰذا القول ما حرر الأمر على ما يقتضيه وجه الحق فيه، وذٰلك أن تنظر المراتب؛ فإن كانت تقتضي الفضلية، فتنظر أية مرتبة هي أعم من الأخرى وأعظم، فالمتصف بها أفضل؛ ففضل أرباب المراتب بفضل المراتب.
فقد يزيد ويفضل بعض الناس غيره بشيء ما فيه ذٰلك الفضل؛ فإن الفضل في هٰذا الوجه لا ينظر من حيث أنه زيادة، ولكن ينظر من حيث اعتبار زيادات لها شرف في العرف والعقل، كالعلم بالنجارة والخياطة والعلم بالأحكام الشرعية والعلم بما ينبغي لجلال الله وكل واحد منهم لا يعلم علم الآخر، فيقال: قد فضل النجار على الموحد بالدليل بالنجارة. هٰذا لا يقال على جهة الفخر والمدح، بل على جهة الزيادة. ويقال: فضل العالم بالله النجار على طريق الشرف والفخر.
فمثل هذه المفاضلة هي التي تعتبر، وهي أن يزيد كل واحد على صاحبه برتبة تقتضي المجد والشرف؛ فهٰذا معنى قوله: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] بما يقتضيه الشرف.
ونحن نجمع إلى ذٰلك الزيادة، فنقول في قوله: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أي جعلنا عند كل واحد من صفات المجد والشرف ما لم نجعل عند الآخر، فقد زاد بعضهم على بعض في صفات الشرف. والمراتب التي فضلوا بها بعضهم على بعض، ما فيها مفاضلة