الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

و أما ظاهر الرداء، فلا يعرف المرتدي أبدا، و إنما يعرف باطن ذاته، و هو حجابه. فكذلك لا يعلم الحق إلا العلم (لا العالم) ، كما لا يحمده، على الحقيقة، إلا الحمد (لا الحامد) . و أما أنت، فتعلمه بوساطة العلم، و هو حجابك.

فأنت ما تشاهد إلا العلم القائم بك، و إن كان مطابقا للمعلوم. و علمك قائم بك، و هو مشهودك و معبودك-فإياك أن تقول، إن جريت على أسلوب الحقائق: إنك علمت المعلوم! و إنما علمت العلم. و العلم هو العالم بالمعلوم. و بين العلم و المعلوم، بحور لا يدرك قعرها. فان سر التعلق بينهما، مع تباين الحقائق، بحر عسير مركبه، بل لا تركبه العبارة أصلا و لا الإشارة و لكن يدركه الكشف، من خلف حجب كثيرة دقيقة، لا يحس بها أنها على عين بصيرته لرقتها، و هي عسيرة المدارك، فأحرى (بها) من خلقها.

فانظر! أين هو من يقول: إنى علمت الشيء من ذلك الشيء، محدثا كان أو قديما؟ بل ذلك في المحدث، و أما القديم فابعد و أبعد!

 إذ لا مثل له: فمن أين يتوصل إلى العلم به؟ أو كيف يحصل؟ و سيأتي الكلام على هذه المسالة السنية، في الفصل الثالث من هذا الباب.

فلا يعرف ظاهر الرداء المرتدي إلا من حيث الوجود، بشرط أن يكون في"مقام الاستسقاء". ثم يزول و يرجع. لأنها معرفة علة، لا معرفة جذب. و هذه رؤية أصحاب الجنة في الآخرة. و هو تجل في وقت دون وقت.

و سيأتي الكلام عليه في باب الجنة، من هذا الكتاب. -و هذا هو مقام التفرقة.

و أما أهل الحقائق، (أهل) باطن الرداء، فلا يزالون مشاهدين أبدا، و مع و مع كونهم مشاهدين، فظاهرهم في كرسى الصفات: ينعم بمواد بشرة الباطن، نعيم اتصال.

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!