الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

و لم يزل-سبحانه-موصوفا بهذه الإرادة أزلا.

و العالم معدوم، غير موجود، و إن كان ثابتا في العلم في عينه.

ثم أوجد العالم من غير تفكر و لا تدبر-عن جهل أو عدم علم-فيعطيه التفكر و التدبر علم ما جهل. جل و علا عن ذلك! بل أوجده عن العلم السابق، و تعيين الإرادة المنزهة الأزلية، القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان

  و مكان، و أكوان و ألوان. فلا مريد في الوجود، على الحقيقة، سواه. إذ هو القائل-سبحانه-: وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ .

و إنه-سبحانه-كما علم فاحكم، و أراد فخصص، و قدر فأوجد، -كذلك سمع و رأى ما تحرك أو سكن أو نطق في الورى، من العالم الأسفل و الأعلى. و لا يحجب سمعه البعد: فهو القريب. و لا يحجب بصره القرب: فهو البعيد. يسمع كلام النفس في النفس، و صوت المماسة الخفية عند اللمس. و يرى السواد في الظلام، و الماء في الماء.

لا يحجبه الامتزاج و لا الظلمات و لا النور وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ! تكلم-سبحانه-لا عن صمت متقدم، و لا سكوت متوهم، بكلام قديم أزلى، كسائر صفاته: من علمه و إرادته و قدرته. كلم موسى -ع-. سماه التنزيل و الزبور و التوراة و الإنجيل. من غير حروف و لا أصوات و لا نغم و لا لغات. بل هو خالق الأصوات و الحروف و اللغات.

فكلامه-سبحانه-من غير لهاة و لا لسان. كما أن سمعه من غير أصمخة و لا آذان. كما أن بصره من غير حدقة و لا أجفان. كما أن إرادته في غير قلب و لا جنان. كما أن علمه من غير اضطرار و لا نظر في برهان.

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!