الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

فالعامة-بحمد اللّٰه-سليمة عقائدهم، لأنهم تلقوها، كم

  ذكرناه، من ظاهر الكتاب العزيز، التلقي الذي يجب القطع به. و ذلك أن التواتر من الطرق الموصلة إلى العلم. و ليس الغرض من العلم إلا القطع على المعلوم أنه على حد ما علمناه، من غير ريب و لا شك. و القرآن العزيز قد ثبت عندنا بالتواتر، أنه جاء به شخص ادعى أنه رسول من عند اللّٰه-تعالى- و أنه جاء بما يدل على صدقه، و هو هذا القرآن، و أنه ما استطاع أحد على معارضته أصلا. فقد صح عندنا بالتواتر أنه رسول اللّٰه إلينا، و أنه جاء بهذا القرآن الذي بين أيدينا اليوم، و أخبر أنه كلام اللّٰه. و ثبت هذا كله عندنا تواترا. فقد ثبت العلم به أنه النبأ الحق و القول الفصل.

و الأدلة سمعية و عقلية. و إذا حكمنا على أمر ما، فلا شك فيه أنه على ذلك الحكم.

و إذا كان الأمر على ما قلناه، فيأخذ المتاهب عقيدته من القرآن العزيز. و هو بمنزلة الدليل العقلي في الدلالة، إذ هو الصدق الذي لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . فلا يحتاج المتاهب، مع ثبوت هذا الأصل، إلى أدلة العقول: إذ قد حصل الدليل القاطع الذي عليه السيف معلق، و الاصفاق عليه، عنده، محقق.

قالت اليهود لمحمد-ص-"انسب لنا ربك".

  فانزل اللّٰه-تعالى-عليه"سورة الإخلاص"، و لم يقم لهم من أدلة النظر دليلا واحدا. فقال: قُلْ هُوَ اَللّٰهُ -فاثبت الوجود، - أَحَدٌ - فنفى العدد و أثبت الأحدية لله-سبحانه-، اَللّٰهُ اَلصَّمَدُ -فنفى الجسم، - لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ -فنفى الوالد و الولد، - وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ - فنفى الصاحبة، كما نفى الشريك بقوله: لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا .

فيطلب صاحب الدليل العقلي البرهان على صحة هذه المعاني بالعقل، و قد دل على صحة هذا اللفظ.

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!