الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

فيا ليت شعرى! هذا الذي يطلب (ل‍) يعرف اللّٰه من جهة الدليل و يكفر من لا ينظر: كيف كانت حالته قبل النظر، و في حال النظر؟ هل هو مسلم أو لا؟ و هل يصلى أو يصوم؟ أو ثبت عنده أن محمدا رسول اللّٰه؟ أو أن اللّٰه موجود؟ فان كان معتقدا لهذا كله، فهذه حالة العوام. فليتركهم على ما هم عليه، و لا يكفر أحدا. و إن لم يكن معتقدا لهذا إلا حتى ينظر و يقرأ علم الكلام: فنعوذ بالله من هذا المذهب، حيث أداه سوء النظر إلى الخروج عن الايمان! و علماء هذا العلم-رضى اللّٰه عنهم-ما وضعوه، و صنفوا فيه ما صنفوا ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله، و إنما وضعوه إرداعا (-ردعا) للخصوم، الذين جحدوا الإله، أو الصفات، أو بعض الصفات، أو الرسالة،

  أو رسالة محمد-ص-خاصة، أو حدوث العالم، أو الاعادة إلى الأجسام بعد الموت، أو الحشر و النشر، و ما يتعلق بهذا الصنف. و كانوا (-الخصوم) كافرين بالقرآن، مكذبين به، جاحدين له. فطلب علماء الكلام إقامة الأدلة عليهم، على الطريقة التي زعموا أنها أدتهم إلى إبطال ما ادعينا صحته خاصة. حتى لا يشوشوا على العوام عقائدهم فمهما برز في ميدان المجادلة بدعى برز له أشعرى، أو من كان من أصحاب النظر. و لم يقتصروا على السيف. رغبة منهم و حرصا على أن يردوا واحدا إلى الايمان، و الانتظام في سلك أمة محمد-ص- بالبرهان. إذ الذي كان يأتي بالأمر المعجز، على صدق دعواه، قد فقد، و هو الرسول ع. -فالبرهان عندهم قائم مقام تلك المعجزة، في حق من عرفه. فان الراجع بالبرهان أصح إسلاما من الراجع بالسيف، فان الخوف يمكن أن يحمله على النفاق، و صاحب البرهان ليس كذلك. فلهذا-رضى اللّٰه عنهم- وضعوا علم الجوهر و العرض لا غير. و يكفى في المصر منه واحد.

فإذا كان الشخص مؤمنا بالقرآن أنه كلام اللّٰه، قاطعا به، فليأخذ عقيدته منه، من غير تأويل و لا ميل.

فنزه-سبحانه-نفسه أن يشبهه شيء من المخلوقات

  أو يشبه شيئا، بقوله-تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ و سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ اَلْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ .

و أثبت رؤيته في الدار الآخرة بظاهر قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ و كَلاّٰ! إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ .

و انتفت الاحاطة بدركه بقوله: لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ .

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!