الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

فان قلت: فلخص لي هذه الطريقة، التي تدعى أنها الطريقة الشريفة، الموصلة السالك عليها إلى اللّٰه-تعالى-و ما تنطوى عليه من الحقائق و المقامات، بأقرب عبارة، و أوجز لفظ، و أبلغه، حتى أعمل عليه، و نصل إلى ما ادعيت أنك توصلت إليه. و بالله أقسم! إنى لا آخذه منك على وجه التجربة و الاختبار، و إنما آخذه منك على وجه الصدق. فانى حسنت الظن بك إحسان قطع، إذ قد نبهتني على حظ ما أتيت به من العقل، و أن ذلك مما يقطع العقل بجوازه و إمكانه، أو يقف عنده من غير حكم معين.

فشكر اللّٰه لك ذلك، و بلغك آمالك، و نفع بك! فاعلم أن الطريق إلى اللّٰه-تعالى-الذي سلكت عليه الخاصة من المؤمنين الطالبين نجاتهم، دون العامة الذين شغلوا أنفسهم بغير ما خلقت له، -أنه على أربع شعب: بواعث، و دواع، و أخلاق، و حقائق. و الذي دعاهم إلى هذه الدواعي و البواعث و الأخلاق و الحقائق، ثلاثة حقوق تفرضت عليهم: حق لله، و حق لأنفسهم، و حق للخلق.

   ف‍(أما) الحق الذي لله-تعالى! -عليهم (فهو) أن يعبدوه، لا يشركون به شيئا. و الحق الذي للخلق عليهم، كف الأذى كله عنهم، ما لم يأمر به شرع من إقامة حد، و صنائع المعروف معهم، على الاستطاعة و الإيثار، ما لم ينه عنه شرع، فإنه لا سبيل إلى موافقة الغرض إلا بلسان الشرع. و الحق الذي لأنفسهم عليهم (هو) أن لا يسلكوا بها من الطرق إلا الطريق التي فيها سعادتها و نجاتها، و إن أبت فلجهل قام بها أو سوء طبع. فان النفس الأبية إنما يحملها على إتيان الأخلاق الفاضلة دين أو مروءة. فالجهل يضاد الدين، فان الدين علم من العلوم.

و سوء الطبع يضاد المروءة.

ثم نرجع إلى الشعب الأربع فنقول: الدواعي خمسة: الهاجس السببى و يسمى"نقر الخاطر"، ثم الإرادة، ثم العزم، ثم الهمة، ثم النية.

و البواعث لهذه الدواعي ثلاثة أشياء: رغبة أو رهبة أو تعظيم. و الرغبة رغبتان: رغبة في المجاورة، و رغبة في المعاينة. و إن شئت قلت: رغبة فيما عنده، و رغبة فيه. و الرهبة، رهبتان: رهبة من العذاب، و رهبة من الحجاب. و التعظيم، إفراده عنك و جمعك به.

و الأخلاق على ثلاثة أنواع: خلق متعد، و خلق غير متعد، و خلق مشترك. فالمتعدى على قسمين: متعد بمنفعة، كالجود و الفتوة، و متعد بدفع مضرة، كالعفو و الصفح و احتمال الأذى، مع القدرة

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!