الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

و إن كان إنكار موسى عن نسيان لشرطه، و لتعديل اللّٰه إياه. و بهذه القصة عينها نحتج على المنكرين. و لكنه لا سبيل إلى خصامهم. و لكن نقول كما قال العبد الصالح: هٰذٰا فِرٰاقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ .

وصل

(في العلم النبوي و العلم النظري)

و لا يحجبنك، أيها الناظر في هذا الصف من العلم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم-صلوات اللّٰه عليهم-إذا وقفت على مسألة من مسائلهم، قد ذكرها فيلسوف أو متكلم أو صاحب نظر في أي علم كان، - فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق: إنه فيلسوف، لكون الفيلسوف ذكر تلك المسالة و قال بها و اعتقدها، و إنه نقلها منهم، أو إنه لا دين له فان الفيلسوف قد قال بها و لا دين له.

فلا تفعل، يا أخى! فهذا القول قول من لا تحصيل له. إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلا. فعسى تكون تلك المسالة فيما عنده من الحق. و لا سيما إن وجدنا الرسول-ع-قد قال بها. و لا سيما فيما وضعوه من الحكم و التبري من الشهوات و مكايد النفوس، و ما تنطوى عليه من سوء الضمائر. فان كنا لا نعرف الحقائق، فينبغي لنا أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسالة المعينة و أنها حق، فان الرسول-ص -قد قال بها، أو الصاحب، أو مالكا، أو الشافعي، أو سفيان الثوري.

   و أما قولك، إن قلت: سمعها من فيلسوف أو طالعها في كتبهم، - فإنك ربما تقع في الكذب و الجهل. أما الكذب، فقولك: سمعها أو طالعها، و أنت لم تشاهد ذلك منه. و أما الجهل، فكونك لا تفرق بين الحق، في تلك المسالة، و الباطل. -و أما قولك: إن الفيلسوف لا دين له، فلا يدل كونه لا دين له على أن كل ما عنده باطل. و هذا مدرك بأول العقل عند كل عاقل.

فقد خرجت (يا أخى!) باعتراضك على الصوفي، في مثل هذه المسالة، عن العلم و الصدق و الدين، و انخرطت في سلك أهل الجهل و الكذب و البهتان، و نقص العقل و الدين، و فساد النظر و الانحراف. أ رأيت لو أتاك بها رؤيا رآها، هل كنت إلا عابرها و تطلب على معانيها؟ فكذلك، خذ ما أتاك به هذا الصوفي، و اهتد على نفسك قليلا، و فرغ لما أتاك به محلك حتى تبرز لك معناها، أحسن من أن تقول يوم القيامة:

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!