الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

   و لما أبصرت حقائق السعداء و الأشقياء، عند قبض القدرة عليها بين العدم و الوجود-و هي حالة الإنشاء-، حسن النهاية، بعين الموافقة و الهداية، و سوء الغاية، بعين المخالفة و الغواية، -سارعت السعيدة إلى الوجود، و ظهر من الشقية التثبط و الاباية. و لهذا أخبر الحق عن حالة السعداء فقال:

أُولٰئِكَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ وَ هُمْ لَهٰا سٰابِقُونَ -يشير إلى تلك السرعة (الوجودية) . و قال في الأشقياء: فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ اَلْقٰاعِدِينَ يشير إلى تلك الرجعة (العدمية) . فلو لا هبوب تلك النفحات على الأجساد (ل‍) ما ظهر في هذا العالم سالك غيّ و لا رشاد. و لتلك السرعة و (ذلك) التثبط أخبرتنا- صلى اللّٰه عليك-: "أن رحمة اللّٰه سبقت غضبه". . هكذا نسب الراوي إليك.

ثم أنشا-سبحانه-الحقائق على عدد أسماء حقه و أظهر ملائكة التسخير على عدد خلقه. فجعل لكل حقيقة اسماء من أسمائه، تعبده

  و تعلمه. و جعل لكل سر حقيقة ملكا، يخدمه و يلزمه. فمن الحقائق من حجبته رؤية نفسه عن اسمه، فخرج عن تكليفه و حكمه، فكان له من الجاحدين.

و منهم من ثبت اللّٰه أقدامه، و اتخذ اسمه إمامه، و حقق بينه و بينه العلامة، و جعله أمامه، فكان له من الساجدين.

ثم استخرج من الأب الأول أنوار الأقطاب شموسا، تسبح في أفلاك المقامات. و استخرج أنوار النجباء نجوما، تسبح في أفلاك الكرامات.

و ثبت الأوتاد الأربعة للأربعة الأركان، فانحفظ بهم الثقلان. فازالوا ميد الأرض و حركتها، فسكنت، فازينت بحلي أزهارها و حلل نباتها، و أخرجت بركتها، فتنعمت أبصار الخلق بمنظرها البهي، و مشامهم بريحه

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!