الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


47. الموقف السابع والأربعون

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات: 51/ 56].

الحكمة في تكليف العباد بالتكاليف الشاقة، وإلزامهم بالأوامر والنواهي، والتحجير عليهم، هو أن العبد، وإن كان يسمى ممكناً لنسبة مجازية أورثته هذا الاسم، فله نسبة حقيقية إلى الربوبية. والحق تعالى أراد بظهوره في المسمى خلقاً وعبداً أن يرى جميع أسمائه فيهم، وأن يعرفوه ويعبدوه. فلو تركهم مطلقين، ما أمرهم ولا نهاهم ولا حجر عليهم، لما ظهرت فيهم جميع أسمائه، ولتعلقوا بما فيهم من الربوبية، ونسوا إمكانهم، وما جعل الحق تعالى عينين ظاهرة وباطنة إلاَّ لينظروا بالعين الباطنة نسبتهم الباطنة، وبالعين الظاهرة نسبتهم الظاهرة الإمكانية. فمهما غفلوا عن واحدة من النسبتين هلكوا. وحيث كانت النسبة الباطنة التي هي الربوبية غالبة وحاكمة، جاءت الأوامر الإلهية والنواهي والتكاليف القهرية ملازمة لهم، ماداموا في هذه الدار التي هي دار الغفلة والنسيان والحجاب، حتى يبقو واقفين عندما خلقوا لأجله، ملتزمين لآداب العبودية، ولا يتعلقوا بما فيهم من الربوبية، حيث كان مراد الحق تعالى منهم إظهار نسبة العبودية والغيرية في هذه الدار. فإذا انقلبوا إلى الدار التي مراد الحق تعالى منهم فيها إظهار نسبة الربوبية أزال عنهم الحجر، وحط التكاليف، وجعلهم يقولون للشيء: كن فيكون، وأحل عليهم رضوانه فأمنوا سخطه، ولا لذة أحلى وأعظم من لذة الأمن، ولحكم أخرى، منها م لا يجوز إيداعه بطون الأوراق.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!