المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
241. الموقف الواحد والأربعون بعد المائتين
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة: 2/222].
التوبة أنواع، باعتبار مامنه المتاب، فطائفة تتوب من المعاصي، وطائفة تنوب من الطاعات، أي من نسبتها إليها مع فعلها، وطائفة تتوب من طلب الأعواض والأجور، وطائفة تتوب من التوبة، قال ابن العريف الصنهاجي (رضي الله عنه)
|
قد تاب قوم كثير وم |
|
تاب من التوبة إلاَّ أن |
فالتائبون عام وخاص، وخاص الخاصة، ولفظ التوبة يعم الجميع لغة، ولكن إشارة الآية الكريمة على ما أعطانا الإلهام فرقت بين توبة العموم، سمّتها تطهيراً، وبين توبة الخصوص سمتها توبة، إذ ليست أدناس مخالفات، وأوضار نسب طاعات، فالمحبوبون الأولون المقدمون في الذكر لتقدمهم رتبة هم الخاصة، وخاصة الخاصة التائبون من التوبة. فالخاصة وهم العارفون بالله توبتهم الرجوع منه إليه تعالى ـ، وخاصة الخاصة، وهم العلماء بالله تعالى ـ، توبتهم الرجوع إليه من رجوعهم، أي من نسبة الرجوع إليهم، إذ لا يرجع إلاَّ موجود حقيقة، ولا وجود لهم، فتوبتهم من دعوى الوجود، وإليه بشير قائلهم:
|
إذا قلت ما أذنبت قالت مجيبة |
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب |
فليس في الحقيقة إلاَّ هو الراجع والمرجوع، فهو التائب كما قال:
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ فالتوبة فعله والفعل قائم بالفعل وهؤلاء التائبون هم المعنيّون بقوله (صلى الله عليه وسلم): ((إن الله يحب كل مفتن تواب)).
وفتنتهم إنما هي طروء الغفلة عليهم عن هذه المشاهد، لما هو لازم البشرية من الغفلة و النسيان، فإذ تذكروا تابوا توبتهم الخاصة بهم، فهم أحق وأولى بمحبة الله تعالى لهم. وأمَّ المتطهرون فهم التائبون من العامة، سواء التائبون من المخالفات، ومن طلب الأعواض على الطاعات ونحوهما. ومحبة الله تعالى للمتطهّرين، أي التائبين من العامة إنما هي ببركة التائبين الأولين، وبالتبع لهم لاشتراكهم في المعنى الذي هو الرجوع، وإن كان بين الرجوعين فُرقان بعيدٌ، إذ التوبة هي الرجوع الحقيقي وذلك بالتبرؤ من نسبة الرجوع، الذي هو معنى التوبة، إلى العدم ونسبته إلى الوجود، كما هي توبة خاصة الخاصة، أو الرجوع به منه إليه كما هي توبة الخاصّة، وما عدا هذين الصنفين فتوبتهم بمعنى رجوعهم تطهير لا رجوع، لأنهما ما رجعوا بعدُ إليه وإنما رجعوا من عدم إلى عدم، ومن كون إلى كون، ما تاب أحد ولا تطهر بمعنى تاب إلاَّ بعد توبة الله تعالى ـ عليه، كما قال: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ ﴾[التوبة: 9/ 118].
فتوبتهم إليه فرع توبته عليهم، أي فيهم، «فعلى». بمعنى «في» إذ هم ظروف التوبة وهو فاعلها، ليّتوبوا، أي لتنسب التوبة إليهم حيث أنهم ظروف وآلات لأفعاله، فهو الفاعل حقيقة والنسبة إليهم مجازاً.
![]() |
![]() |





