المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
124. الموقف الرابع والعشرون بعد المائة
قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾[الكهف:9].إلى أن قال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾[الكهف: 18/ 9-18].
اعلم أن قصة هؤلاء الفتية وكراماتهم الظاهرة، وخوارقهم الباهرة، كانت عند الأمم السابقة، والأجيال الخالية، من أعجب الأحاديث، تناقلها الأخباريون وعنعنها المحدّثون. فلما سأل اليهود عنها رسول (صلى الله عليه وسلم) سؤال استعظام واستكبار لكراماتهم، الدالة على عظيم رتبتهم عند الحق تعالى ـ، في زعم السائلين، وغيرهم من الناظرين إلى ظواهر الأمور، قصّ الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم) قصّتهم، وشرح ظاهراً و باطناً حالتهم، وبيّن له مقامهم ومرتبتهم فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ﴾ هو استفهام بمعنى النهي، أي لا تحسب كحسابهم، ولا تعجب كتعجّبهم، فإنهم ظنوا أن هؤلاء الفتية كانوا من أعجب آياتنا وأغرب مافي قدرتنا، لظنّهم أن خوارق العادات، أكرم ما نكرم به أهل كرامتنا، لمن ظهرت له أو فيه. ثم أخبره أنهم آمنوا بوجود ربّهم ووحدانيته، وأنه زادهم هدى بالثبات والطمأنينة، وليعلم أن إيمان هؤلاء الفتية إنما كان بنور عقلي، واستدلال نظري، فإنهم ما كانوا تحت رسالة رسول، والإيمان العقلي وإن جلّت رتبته، وعظمت منّته بالنسبة إلى عدمه، فصاحبه ضال عند ذوي الشريعة، أعمى لدى صاحب البصيرة، إذ العقل بمجرده قاصر عما يجب لله تعالى من إطلاق التجلي في المظاهر، عاجز عن تنزيهه تعالى عن الدخول تحت تحكمات العقول وتقيداتها له تعالى ـ، فإن للعقل حدّاً يقف عنده من حيث ه و عقل، ونهاية لا يتعداها، وإنما شرف العقل وكماله، هو قبوله لما ت أتي به الرسل (عليه السلام) من ربّهم، ولما يفيضه تعالى على أتباع الرسول بواسطة ملك الإلهام وغيره، ولا حدَّ ولا نهاية للعقل يقف عندها من هذا الوجه. والرسول إذا اطّلع على ما يخالف ما عنده من الحقّ، نفر وفرَّ باطناً ولو ثبت ظاهراً أو فرَّ ظاهراً وباطناً، كما فعل موسى (عليه السلام) مع كونه جازماً لحقيقة ما فعله الخضر (عليه السلام) لإعلام الله إياه بأنه أعلم منه، ومع ذلك ما قبله وفارقه وهو فرار في المعنى، وفي الصحيح كانت الثالثة من موسى عمداًن وأخبره الخضر أوّل ما لقيه أنه لا يستطيع معه صبراً، ومن لم يستطع الصبر فرَّ. فأخبر الحق تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم) في أثناء قصّتهم بحالتهم الباطنة، وأنه لو اطلع على ما في بواطنهم، مما يفضي إليه الإيمان العقلي عند مشاهدتهم لفرَّ منهم، وتباعد عنهم، لما ذكرنا ولملئ منه مرعباً، فإنهم مع هذه الكرامات العظيمة والخوارق الجسيمة المعروفة من أخبارهم، ما كانوا في رتبة الأكملية، ولا بالمنزلة الزلفى لدى الحق. وهذا أدل دليل على أن الكرامات وإن جلّت ماهي على الأكملية والأقربية دلالات، ولا هي مخصوصة بذوي العنايات، فليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه، ولا كلّ من حصلت له الكرامة كملت له الاستقامة. وحينئذٍ فليس فراره (صلى الله عليه وسلم) إلاَّ من نقصهم بالنسبة لمقامه السامي، لما عنده من العلم بالله تعالى ، ممّ هم على خلافه، ولامتلأ رعباً من الحق تعالى لسبب اطلاعه على بوا طنهم إلاَّ من كونه تعالى يعطي الكرامات وخوارق العادات لمن ليس بذاك. ومطلق العارف يزيده الاطلاع على قصة هؤلاء الفتية ا ضطراباً، ويملأ قلبه رعباً، وظاهره وباطنه مهابة، بل يفتت كبده ويحرق قلبه، وليس المراد فراره ورعبه من عظم خلقتهم وتشوبهها، ونحو ذلك مما قاله جمهور المفسرين، فإنه بعيد جداً. وهذا المفتوح عليه المكاشف يشاهد أنواعاً من المخلوقات العظيمة التي لا توصف، يشاهد من الملائكة أنواعاً منهم: جسم واحد وله عدة رؤوس، وكل رأس له عدة ألسنة، وكل لسان له لغة، ولا يهوله ذلك ول يروعه، فكيف بمحمد، (صلى الله عليه وسلم) الذي أراه الله الآيات الكبرى، وما زاغ بصره وما طغى؟! ومشاهدة أصحاب الكهف دون الآيات الكبرى بيقين. و الله أعلم وأحكم.
وقد كان سأل بعض من يعزّ عليَّعن الآية فما كشفت له إلى أن ورد عليَّ في الواقعة قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾:[الحديد: 57/7].
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾[الأنبياء:21/ 90].
فامتثلت الأمر، وعلمت أن السائل مستحق لما سأل، و الله يرزقنا حسن الأدب معه ومع مخلوقاته بمنّة وفضله .
![]() |
![]() |





