عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)
![]() |
|
|
و إياك أن تتوهم تكرار هذه الحروف في المقامات، أنها شيء واحد له وجوه (متعددة) . إنما هي مثل الأشخاص الانسانية. فليس زيد بن على هو عين أخيه زيد بن على الثاني، و إن كانا قد اشتركا في البنوة و الانسانية و والدهما واحد. و لكن، بالضرورة، نعلم أن الأخ الواحد ليس عين الأخ الثاني. فكما يفرق البصر بينهما و العلم، كذلك يفرق العلم بينهما في الحروف، عند أهل الكشف، من جهة الكشف، و عند النازلين عن هذه الدرجة، (يفرق بينهما) من جهة المقام، الذي هو بدل عن حروفه. و يزيد صاحب الكشف، على العالم من جهة المقام، بامر آخر لا يعرفه صاحب علم المقام المذكور. و هو مثلا "قلت"، إذا كررته بدلا من اسم بعينه. فتقول لشخص بعينه: "قلت كذا و قلت كذا". فالتاء، عند صاحب الكشف، التي في"قلت"الأول، غير التاء التي في"قلت"الثاني. لأن عين المخاطب تتجدد في كل نفس: ﴿بل هم في لبس من خلق جديد﴾. فهذا شأن الحق مع العالم، مع أحدية الجوهر. -و كذلك الحركة الروحانية، التي عنها أوجد الحق-تعالى-التاء الأولى، غير الحركة التي أوجد عنها التاء الأخرى، بالغا ما بلغت. فيختلف معناها بالضرورة. و صاحب علم المقام، يتفطن لاختلاف علم المعنى، و لا يتفطن لاختلاف التاء، أو أي حرف، ضميرا كان أو غير ضمير. فإنه صاحب رقم و لفظ لا غير. كما تقول الأشاعرة في الأعراض، سواء. فالناس مجمعون، معهم، على ذلك في الحركة خاصة، و لا يصلون إلى علم ذلك في غير الحركة. فلهذا أنكروه و لم يقولوا به. و نسبوا القائل بذلك إلى الهوس و إنكار الحس. و حجبوا عن إدراك ضعف عقولهم و فساد محل نظرهم، و قصورهم عن التصرف في المعاني. فلو حصل لهم (العلم) الأول عن كشف حقيقى، من معدنه، لانسحبت تلك الحقيقة على جميع الأعراض حكما عاما، لا يختص بعرض دون عرض، و إن اختلفت أجناس الأعراض، فلا بد من حقيقة جامعة و حقيقة فاصلة. و هكذا هذه المسالة، التي ذكرناها، في حق من قال بما قلناه فيها، و من أنكره. (مطلوب المحققين في الصور المحسة)فليس المطلوب عند المحققين الصور المحسوسة لفظا و رقما، و إنما المطلوب المعاني، التي تضمنها هذا الرقم أو هذا اللفظ، و حقيقة اللفظة و المرقوم عينها. فان الناظر في الصور إنما هو روحانى، فلا يقدر أن يخرج عن جنسه. - فلا تحجب بان ترى الميت لا يطلب الخبز، لعدم السر الروحاني منه، و يطلبه الحي لوجود الروح فيه، فتقول: نراه يطلب غير جنسه. فاعلم أن في الخبز و الماء و جميع، المطاعم و المشارب و الملابس و المجالس أرواحا لطيفة غريبة، هي سر حياته و علمه و تسبيحه ربه، و علو منزلته في حضرة مشاهدة خالقه. و تلك الأرواح أمانة عند هذه الصور المحسوسة، يؤدونها إلى هذا الروح، المودع في الشبح. |
![]() |
الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



