عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)
![]() |
|
|
"انتصرت لأبيك، حلت بركتى فيك! اسمع منزلة من أثنيت عليها، و ما قدمته من الخير بين يديها. و أين منزلتك من منازل الملائكة المقربين؟ -صلوات اللّٰه عليكم و عليهم أجمعين-! "كعبتى، هذه، قلب الوجود. و عرشى، لهذا القلب، جسم محدود. و ما وسعني واحد منهما، و لا أخبر عنى بالذي أخبرت عنهما. و بيتى الذي وسعني (هو) قلبك المقصود، المودع في جسدك المشهود. فالطائفون بقلبك (هم) الأسرار. فهم بمنزلة أجسادكم، عند طوافها بهذه الأحجار. و الطائفون الحافون بعرشنا المحيط، (هم) كالطائفين منك بعالم التخطيط. فكما أن الجسم منك، في الرتبة، دون قلبك البسيط، كذلك هي الكعبة مع العرش المحيط. "فالطائفون بالكعبة (هم) بمنزلة الطائفين بقلبك، لاشتراكهما في القلبية. و الطائفون بجسمك (هم) كالطائفين بالعرش، لاشتراكهما في الصفة الاحاطية. فكما أن عالم الأسرار-الطائفين بالقلب الذي وسعني-(هم) أسنى منزلة من غيرهم و أعلى، كذلك أنتم، بنعت الشرف و السيادة، على الطائفين بالعرش المحيط، أولى. فإنكم الطائفون بقلب وجود العالم: فأنتم بمنزلة أسرار العلماء. و هم الطائفون بجسم العالم: فهم بمنزلة الماء و الهواء. فكيف تكونون سواء؟ و ما وسعني سواكم، و ما تجليت في صورة كمال إلا في معناكم . فاعرفوا قدر ما وهبتكموه من الشرف العالي. و بعد هذا، فانا الكبير المتعالي: لا يحدني الحد، و لا يعرفني السيد و لا العبد! "تقدست الألوهية! فتنزهت أن تدرك، و في منزلتها أن تشرك. أنت الأنا، و أنا أنا. فلا تطلبنى فيك فتتعنى، و لا من خارج فما تتهنى. و لا تترك طلبى فتشقى! فاطلبنى حتى تلقاني فترقى. و لكن تأدب في طلبك. و احضر عند شروعك في مذهبك. و ميز بينى و بينك: فإنك لا تشهدنى، و إنما تشهد عينك! فقف في صفة الاشتراك. و إلا فكن عبدا و قل: "العجز عن درك الإدراك إدراك"، تلحق في ذلك"عتيقا"، و تكن المكرم"الصديقا". ثم قال: "اخرج عن حضرتى، فمثلك لا يصلح لخدمتى"! فخرجت طريدا. فضج الحاضر. فقال: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . |
![]() |
الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



