الفتوحات المكية

عرض الصفحة - من السفر وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

على حكم الأول يثبت الآخر. و ليس إلا الرب و العبد و كفى. و في هذا غنية لمن أراد معرفة نفسه في الوجود، و شفا. ألا ترى أن الخاتمة عين السابقة؟ و هي كلمة، واجبة، صادقة. فما للإنسان يتجاهل و يعمى، و يمشى في دجنة ظلما، حيث لا ظل و لا ما؟ و إن أحق ما سمع من النبإ، و أتى به هدهد الفهم من سبا، وجود الفلك المحيط، الموجود في العالم المركب و البسيط المسمى بالهباء، و أشبه

  و أشبه شيء به الماء و الهواء، و إن كانا من جملة صوره المفتوحة فيه و لما كان هذا الفلك أصل الوجود، و تجلى له اسمه"النور"من حضرة الجود، كان الظهور. و قبلت صورتك-صلى اللّٰه عليك-من ذلك الفلك، أول فيض ذلك النور. فظهرت صورة مثلية: مشاهدها عينية، و مشاربها غيبية، و جنتها عدنية، و معارفها قلمية، و علومها يمينية، و أسرارها مدادية، و أرواحها لوحية، و طينتها آدمية.

فأنت أب لنا في الروحانية، كما كان-و أشرت إلى آدم- ص-في ذلك الجمع-أبا لنا في الجسمية. و العناصر له أم و والد، كما كانت حقيقة الهباء في الأصل مع الواحد. فلا يكون أمر إلا عن أمرين، و لا نتيجة إلا عن مقدمتين. أ ليس وجودك عن الحق-سبحانه-و كونه قادرا، موقوفا؟ و إحكامك عليه، من كونه عالما، موصوفا؟ و اختصاصك بامر دون أمر، من كونه مريدا، معروفا؟ فلا يصح وجود المعدوم عن وحيد العين، فإنه من أين يعقل "الأين"؟ فلا بد أن تكون ذات الشيء أينا لأمر ما، لا يعرفه من أصبح

  عن الكشف على الحقائق أعمى. و في معرفة الصفة و الموصوف، تتبين حقيقة "الأين"المعروف. و إلا، فكيف تسأل-صلى اللّٰه عليك-باين، و تقبل من المسئول"فاء الظرف"ثم تشهد له بالايمان الصرف؟ و شهادتك حقيقة لا مجاز، و وجوب لا جواز. فلو لا معرفتك-صلى اللّٰه عليك- بحقيقة ما (ل‍) ما قبلت قولها، مع كونها خرساء، في السماء.

ثم بعد أن وجد (اللّٰه-تعالى-) العوالم اللطيفة و الكثيفة، و مهد المملكة، و هيأ المرتبة الشريفة، -أنزل في أول دورة العذراء الخليفة. و لذلك جعل-سبحانه-مدتها في الدنيا سبع آلاف سنة، و تحل بنا في آخرها حالة فناء، بين نوم و سنة. فننتقل إلى البرزخ الجامع للطرائق، و تغلب فيه الحقائق الطيارة على جميع الحقائق. فترجع الدولة للأرواح، و خليفتها، في ذلك الوقت طائر له ستمائة جناح. و ترى الأشباح في حكم التبع للأرواح.

فيتحول الإنسان في أي صورة شاء، لحقيقة صحت له عند البعث من القبور في الإنشاء. و ذلك موقوف على"سوق الجنة"، سوق اللطائف و المنة.

   فانظروا-رحمكم اللّٰه-و أشرت إلى آدم، في الزمردة البيضاء قد أودعها الرحمن في أول الآباء. و انظروا إلى النور المبين، و أشرت إلى الأب الثاني الذي سمانا مسلمين. و انظروا إلى اللجين الأخلص، و أشرت إلى من أبرأ الأكمه و الأبرص بإذن اللّٰه، كما جاء به النص. و انظروا إلى جمال حمرة ياقوتة النفس، و أشرت إلى من بيع بثمن بخس. و انظروا إلى حمرة الإبريز، و أشرت إلى الخليفة العزيز. و انظروا إلى نور الياقوتة الصفراء في الظلام، و أشرت إلى من فضل بالكلام.

الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!