الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


96. الموقف السادس و التسعون

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ﴾[آل عمران: 3/ 73].

أمر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم) بالنصح لأمته، وأن يخبر المسترشدين الطالبين الهداية إلى معرفته تعالى ـ، والوصول إليها، و الحصول عليها، بأن الهداية التي لا يشوبها شيء من الزيغ والزلل والضلال والحيرة، هي هداية الله تعالى لا هداية غيره، إذ هذا التركيب في الآية مؤذن بالحصر.

والهدى و الدلالة إلى معرفته تعالى ، إمَّا دلالة حق، وإمَّا دلالة خلق، لا ثالث لهما؛ فأما هداية الحق فهي الهداية الموصلة للمطلوب من غير ضلال، ول انحراف، وليس هداية الله تعالى إلاَّ فيما جاءت به الرسل عليهم السلام من التوحيد والأوامر والنواهي،  وقبول ذلك منهم، سواء أقبله العقل أو لم يقبله. فإذا عمل المؤمن على ذلك حينئذٍ يعلمّه الله ـ تعالى من ع نده علماً، ويهديه إلى معرفة ما كان قبله تقليداً، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 2/ 282].

وقال في الخضر: (عليه السلام) : ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾[الكهف: 18/ 65].

وذلك بالتجلّيات الذوقية، والإفاضة الربّانية، فيعرفه بما أنكرته العقول، ممّا أخبرت به الرسل (عليهم الصلاة و السلام) عن ربها، ووصفته به، ول أصدق من الحق ولا أدل منه على نفسه.

وأمَّا هداية الخلق فهي هداية العقول، وهي إما أن يكون فيها زيغ أو ضلال وحيرة، وإمَّا أن يكون فيها خروج عن المقصود جملة واحدة، فهي إمَّا مهلكة، وإمَّ ناقصة، إذ غاية معرفة العقل التنزيه عن صفات المحدثات، بأنه ليس كذا وليس كذا ، وماهي هذه المعرفة المطلوبة منَّا، وإنما المطلوب منَّا معرفة طريقة الرسل (عليه السلام) بل الواجب تنزيه الحق تعالى عن معرفة العقول، فإنها حصرت الإله الحق تعالى وحدّدته وحجرت عليه، وكل محدود محصور. وكل محصور مقهور، كيف؟! وهو تعالى القاهر فوق عباده، جلّ أن يدخل تحت حكم عقل وتصور خيال، فالذي ظنه العقل تنزيهاً، وهو غاية التشبيه بالمحدثات. وهذا الإفراط في التنزيه العقلي أورث جهلاً عظيماً لمتّبعيه، وأوقعهم في أبعد ما يتصوّر من البعد عن معرفة الله تعالى ومعرفة تجلّياته لعباده في الدنيا والآخرة، على أنَّ التنزيه لا يحتاج إليه المؤمن إلاَّ لردّ على مشبّة إن كان. فإن لم يكن هناك مشبه ففيه من سوء الأدب ما فيه. إذ الحق تعالى نزيه لنفسه، وإنما ينزّه من يجوز عليه ما نزّه عنه، وهو الحادث، فحينئذٍ يكون للتنزيه طعم، قال الشيخ الأكبر (رضي الله عنه):

فمنزّه الحق المبين مجوّز

ما قاله فمرامه تضليل

وإذا فكر المنصف في قول المنزّه: الإله الحق ليس بأعمى، ليس بأخرس، ليس بأصم، ليس بعاجز، ليس بمجبور، علم مافي هذا من البشاعة.

ألم تر أن السيف ينقص قدره

 

إذا قيل هذا السيف خير من العصا؟!

فالنفي لا يكون إلاَّ في ممكن الثبوت، فيردّ عليه النفي فينفيه، وإذا ورد على ما ليس بممكن الثبوت، ول للردّ على من يعتقده، كان لغواً من الكلام، وإن كان صدقاً. وليس فيما أدرك العقل من صفات الإله صفة ثبوتية، بل كلّها في التحقيق صفات تنزيه، تنفي أضدادها. و الحق تعالى ما نزَّه نفسه في كتبه وعلى ألسنة رسله إلاَّ رّداً على معتقد ذلك في الإله الحق. فالإله الذي أرسل الرسل (عليه السلام) وأمرنا بمعرفة ماهو الإله الذي عرفه العقل بنظره واكتسابه تلك المعرفة من الدلائل المأخوذة من المحسوسات، فإن علم العقل كلّه من الحواس لأن إله الرسل كما أنه ليس كمثله شيء، ولا يشبه شيئًا، ول يشبهه شيء، هو موصوف بأنه له وجه، ويد ويدان وأيد، وعين وأعين ويمين، وأنه يضحك ويبشبش وينزل، ويجيء ويهرول، ويتردّد، وأنه مستو على العرش، وأنه في السماء وفي الأرض، وأنه معنا أينما كنَّا... إلى غير ذلك. فهو منعوت بهذه النعوت كلَّها، وهي معروفة في لسان العرب المخاطبين بها، ولا يمكن أن يخاطبوا بما لا يعرفون، ول يفهمون، فهذه النعوت معقولة المعنى، مجهولة النسبة إلى الإله. فالتنزيه الحقيقي هو أن تثبتها له ولا ننفيها عنه، فنقول يهرول ويسعى، ويجيء وينزل، ولا تؤول ولا نشبه، كما قال مالك (رضي الله عنه) : "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" وإذ حصحص الحق، وتبين الأمر، وانكشف السرّ، ظهر أن التجلي الإلهي في أعيان الممكنات، هو الذي أعطى هذه النعوت. فلا شاهد ولا مشهود إلاَّ الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾[البروج: 85/ 3].

أترى أنه أقسم بغيره؟ لا والله ما أقسم إلاَّ بذاته. ومثال الحق تعالى ، ولله المثل الأعلى، في هذا المثال ملك، كان لا يعرفه أحد من رعاياه لشدّة احتجابه، بحيث لا يمكن أن يصل إليه أحد، ولا يراه من قريب ولا بعيد، ثم أراد رفع الحجاب والتعرف لرعاياه والاتصال بهم، فصار يواجههم ويحادثهم، إلى أن صار يمشي في الأزقة مع الناس، وزاد في التنزل إلى أن صار يحضر الأسواق يبيع ويشتري، كل هذ ليعرفوه ويعرفوا حوائجهم إليه من غير واسطة، وهم في كل هذا ينكرونه وكلما زاد في التنزل إليهم، والتعرف لهم زادوا جهلاً به، لما يعرفونه من شدة حجابه وعزّته في سلطاته، وقال: لا يمكن أن يكون هذا هو الملك، ولا يصل إلى هذا الحد في التنزل على الرعايا والقرب منهم، فجاء العقلاء منهم وقالوا: يمكن أن يكون هذا هو الملك، فإن الملك يفعل ما أراد، ولا أحد يحجر عليه ويمنعه ويردّه عن مراده، وهذا الذي فعله من التنزل والقرب من رعاياه هو من كماله ومحاسن خلاله، لا ينقص ذلك من مرتبته عند العقلاء شيئاً، ممّا هو واجب للملك من الطاعة والاحترام. والعقلاء في المثال هم الرسل (عليه السلام) فالإله الجامع بين التنزيه والتشبيه هو إ له الرسل، الذي أمرنا بمعرفته، ولا يعرف العقل إلهه هكذا، فإله العقل إله آخر منزّه عن الإطلاق، ل يقبل نعتاً من نعوت التشبيه. فإذا آمن العقل بإله الرسل ( عليهم الصلاة والسلام)، فإمَّا تسليماً وتفويضاً، كما هو مذهب السلف، فإنهم فوَّضوا من غير تأويل ولا حيرة ولا منازعة؛ وإمَّا على كره واستسلام، كما هو شأن المتكلمين. ولا يزال العقل، غير المؤيد بنور الإيمان الغالب على نور العقل، في اضطراب وحيرة ومنازعة عن قبول أوصاف إله الرسل. فإن وجد سبيلاً على إحالتها إلى ما تعطيه معرفته فعل واستراح، لظنه أن ذلك هو المطلوب، وهيهات هيهات!! ما أبعد المؤوّلين من معرفة الإله تعالى ـ؛ وإن لم يجد سبيلاً لذلك بقي على اضطرابه وحيرته، فإن رحمه الله بما شاء ممّا يزيل اضطرابه رحمه، وإلاَّ بقي على ذلك حتى يلقى الله تعالى ـ. وهذا الذي نتكلم فيه مع العقل إنَّما هو الألوهة، وهي مرتبة للذات ما هي عين الذات، كالخلافة و السلطنة للخليفة و السلطان، وأما الذات فلا كلام فيها للعقل، ولا يصل إليها بآلاته أبداً، ولكن من جهة الفيض الرحماني و التعريف الربّاني تهب على العارفين منها نسمات، لأن الذات ل تعقل، و الكلام فيما لا يعقل محال، وكل من رام ذلك رجع خاسئاً وهو حسير.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!