المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
361. الموقف الواحد والستون بعد الثلاثمائة
سألني بعض الإخوان عن حديث مسلم: ((أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاء صكه، ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال: فرد الله إليه عينه)) الحديث.
قلت في الجواب، والله الملهم إلى الصواب: أن موسى سأل ربه الرؤية شوقاً إلى لقائه، والرؤية الحقيقية بالنسبة إنما تكون بعد الموت، لما ورد: «أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت».
فأرسل الله ملك الموت إلى موسى امتحاناً وابتلاء قبل حضور أجله، فدخل على موسى في بيته وقال له: أجب ربك، وكان دخول ملك الموت بغتة ف ي صورة البشرن ولم يعلم موسى أنّه ملك الموت، لأن موسى عليه السلام علم أن الله لم يقبض نبياً حتى يخيره بين الدنيا والآخرة كما ورد في الصحيح. ولم يقع لموسى تخيير في هذه المرة، فصكه موسى على أنه بشر دخل عليه بيته تأديباً، فكان في تلك الصكة فقأ عينه، لا أنه قصد فقأ عينه لأن التأديب لا يبلغ ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم للذي اطلع من الكوة: إنما جعل الأذن من قبل البصر، لو علمت أنك تنظر لطعنت بها في عينك، يعني المدرا. ولم كان إرسال ملك الموت إلى موسى ابتلاء وامتحاناً، إذ لم ينقل أنه وقع مثل هذا لأحد من الرسل عليه السلام رجع ملك الموت إلى ربه وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، لأنه لم يؤمر بقبضه في تلك المرة. وقول ملك الموت لموسى: أجب ربك! وبهذا اللفظ، وم قال له: جئت لأقبض روحك، إيماء لما ذكرناه. فلما رجع إليه المرة الثانية بالعلامة وهو التخيير بين الدنيا والآخرة المعلوم عند موسى وهي قوله: «إن كنت تريد الحياة» الخ الحديث، أراد الموت واختار الآخرة على الدنيا. قوله: فرد الله إليه عينه، لأن ملك الموت كان متصوراً بصورة خيالية برزخية، وهي الصور التي تظهر فيهاالروحانيون. والصور الخيالية تقبل ما تقبله الصور العنصرية ما عدا الأكل. كما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب الغبار رأسه. الحديث في الصحيح. فما يتفق في الصور العنصرية يتفق في الصور الخيالية البرزخية، فإذا اتفق قتل الصور الخيالية من الصور التي يظهر الروحاني فيها فإن ذلك الروحاني ينتقل إلى البرزخ و لا يظهر في عالم الحسّ أبداً.
![]() |
![]() |





