الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


28. الموقف الثامن والعشرون

قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَ بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: 18 / 109].

قال عامة المفسرين: الكلمات هي المقدورات لأن القدرة تتعلق بكلّ ممكن، ول نهاية للممكنات. وعندي من باب الإشارة أنَّ المراد بالكلمات الكلمات الحقيقية، جمع كلمة. وذلك أنَّ الحق تعالى هو المتكلم من وراء جدار كلّ صورة ينسب الكلام إليها، لأنَّه لسان كل متكلم وسمعه وبصره، كما ورد في الصحيح. ولأنه وجود كلّ متكلم. والكلام تابع للوجود كسائر الصفات، فالكلام له تعالى حقيقة ولغيره مجازاً، والمتكلمون مجازاً لا نهاية لكلامهم، لأنهم بعد دار الدنيا يصيرون إلى الدار الأبدية، التي لا نهاية لها، فلا نهاية لكلامهم، وليس كلامهم إلاَّ كلام الله، وإنما كان لا نهاية له، لأنه لم يدخل جميعه في الوجود، فيلزمه التناهي، فهو غير محصور، بخلاف البحر فإنه محصور داخل في الوجود. وكلّ ما دخل في الوجود فهو متناه. فلو كان البحر المتناهي مدداً لكلمات ربّي غير المتناهية، لنفد البحر وانقضى قبل أن تنفد كلمات ربّي لأنها غير متناهية، ولو جئنا بمثله مددا، أي ولو جئنا ببحر آخر مثله، أي مماثل له في صفاته التي من جملتها دخوله في الوجود والتناهي مددا، أي تقوية له وزيادة فيه، لنفد قبل أن تنفد كلمات ربي غير المتناهية. وأيضاً كلامه تعالى تابع لعلمه، أو هو العلم نفسه تعدّدت أسماؤه لتنوع ظهوراته. فإذا أضيف علمه تعالى إلى استماع دعوة المضطر، قيل: سميع. وإذ أضيف علمه إلى رؤية كل شيء، قيل: بصير. وإذا أفاض علماً على قلب عبد من عبيده، قيل: متكلّم، ونحو هذا. ومعلوماته لا نهاية لها فكذلك كلامه لا نهاية له.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!