المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
143. الموقف الثالث و الأربعون بعد المائة
قال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الروم: 50].
المخاطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونحن المرادون أمر تعالى أن لا يصدق كل مدع ولا يتبع كل ناعق، ولكن ينظر إلى وجود أثر الرحمة وعدمه، فتصدّق الدعوى أو تكذب، فمن ادّعى أن الحق تعالى اختصه برحمة من عنده، وجعله من أهل حضرته، ينظر في دعواه. فإن ظهر عليه أثر الرحمة وهو إدرار العلوم الربانية الوهبيّة، والأسرار العرفانية الغيبية، كم قال في الخضر (عليه السلام) : ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾[الكهف: 18/ 65].
وقال نوح (عليه السلام): ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾[هود: 28].
فذلك الصادق في دعواه فليلبّه من ناداه فإنَّه على بيّنة من ربه، وتلاه شاهد منه. ومن لم يظهر عليه أثر الرحمة الاختصاصية، وكان بعد دعوى رحمة الحق تعالى إياه كما هو قبلها، فهو مفتر كذّاب. كيف يحي الأرض بعد موتها؟! أي حالة كونه تعالى يحيي أرض أيّ نفس من رحمة الرحمة، الاختصاصيّة بالعلم الإلهي، من غير واسطة معلم مشهود، وبعد أن كانت أرض نفسه ميتة بالجهل. فحياه أرض النفوس ليست إلاَّ بالعلم الربّاني، قال: ﴿اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[الأنفال: 24].ولا يحييهم إلاَّ بالعمل، وقال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً﴾[الأنعام:122](بالجهل) ﴿ فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾[ الأنعام:122]،(بالعلم)، وهو النور الذي يمشي به في الناس، فحياته نفس جعل النور له ﴿ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾[ الأنعام:122]،وهي ظلمات الجهالات فما أحييناه ولا جعلنا له نوراً. وأفرد تعالى النور وجمع الظلمة، لأنَّ النور الذي هو العلم يهدي إلى الصراط المستقيم، وهو واحد، صراط المنعم عليهم، أهل السعادة، والظلمة، التي هي الجهل متعدّدة، لأنها ت هدي إلى سبل الغواية، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾[الأنعام: 153].
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾[الروم: 50].
الإشارة إلى من ظ هر عليه أثر رحمة الله الاختصاصية، وأحياه الله تعالى بالعلم الربّاني، لمحيي بالعلم الموتى بالجهل، بما حصل له من الرحمة التي ظهر عليه أثرها، وهو على كل شيء قدير، بقدرة الله تعالى لاتحاد إرادته بإرادة الحق تعالى فهو يفعل ما يريد ويريد ما يعلم. فأمَّا ما لا يعلمه فلا يريده، وهو الإنسان الحقيقي الخليفة.
![]() |
![]() |





