الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


138. الموقف الثامن والثلاثون بعد المائة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾[ المنافقون: 63/ 9].

امتثال النهي عن المنهي عنه يحصل بفعل الضدّ. إذ لا تكلف إلاّ بفعل. يقال: لها بالشيء، أحبّه ورضي به. ولها عنه: أعرض، والمأمور في ضمن النهي صنفان من الناس: مؤمن محض، ومؤمن مجازاً، أو بالنظر إلى الأصل أو بالنظر إلى بعض ما وجب الإيمان به دون بعض، أي لا تنظروا إلى أموالكم وأولادكم نظراً يشغلكم عن ذكر الله، فتلهوا وتعرضوا أو تنسوا. بل انظروا إليهم نظراً يكون ذكراً لله تعالى ـ.

فالمؤمن المحض منهي من مقام إيمانه. وهو أنه بنظره إلى أمواله وأولاده وجميع ما أنعم الله به عليه، يذكر الله بحمده وشكره، وأنه تعالى متفضّل منّان فيما أعطى، وأنَّ أحداً لا يستحق على الله تعالى شيئاً ممّا أنعم.

والمؤمن مجازاً منهي من مقام عرفته ومشاهدته، مأمور بأن يرى أمواله وأولاده وجميع ما أنعم الله به عليه، تجلّيات من تجليات الحق تعالى عليه، وظهورات من ظهوراته تعالى لديه، فيشاهد المنعم في النعمة، فهو لا يرى إلاَّ الحق تعالى ـ، ولا يلتذ إلاَّ بالحق؛ فالأول يرى النعمة، والثاني يرى المنعم. أو قل: الأول يرى الأثر، والثاني يرى المؤثر. أو قل: الأول يرى الاسم، والثاني يرى المسمّى. أو قل: الأول، يذكره ذكر القلب واللسان، والثاني يذكره ذكر السرّ. فالأول النعمة في حقّه شهوة طبيعية، والثاني النعمة في حقّه لذّة روحانية، فلا يلتذ إلاَّ بالله، ولا يحب إلاّّ الله في كل ما تجلّى له وظهر، وصاحب هذا الشهود لا يزهد في شيء موجود، وكيف يزهد في شيء يشهد فيه محبوبه.

وطهارة القلب، إنما هي بالمراقبة والحضور، فالنعم واللذات كلها، إذا لم تحل بين القلب وبين مراقبته وحضوره مع الله تعالى لا تضر، والقلب باق على أصل طهارته، إذ المقصود من القلب حاضر، وحينئذٍ لا يبالي بالشهوات كانت ما كانت، بل ولو من حرام إذا كان معتقداً لحرمته، فإنها لا تحجبه من حيث هي.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!