الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


114. الموقف الرابع عشر بعد المائة

قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾[هود: 11/ 101].

قال: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ﴾[آل عمران: 3/ 117]، [النحل: 16/33].

ونحوها من الآيات التي تثبت ظلم النفس لنفسها، فإن صاحب النفس ليس مغايراً لنفسه حتى يكون هناك ظالم ومظلوم؛ يعني أن الواقع بهم ممّا لا يلائم طباعهم، ممّا يُظنّ أنهم غير أهل له ولا مستحقينه، وأنه تعالى ظلمهم بذلك، فم هو الأمر كما ظنَّ، بل إن كان ذلك ظلماً على سبيل الفرض، فماهو منه تعالى ـ، وإنم ذلك من أنفسهم وأعيانهم الثابتة فإنها طلبت ذلك باستعدادها؛ فليس لله تعالى إلاَّ إعطاء الوجود لما طلبوه باستعدادهم، وبهذا كانت الحجة البالغة له تعالى ـ.

وليس بين قوله: ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾[الأنعام: 149].﴿فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149].

تناف، كما يتوهّم، حتى يقولوا: لم لم تشأ هدايتنا جميعاً؟ فإنه م انتفت مشيئته هداية الجميع إلاَّ لانتفاء تعلق العلم القديم بذلك، إذ العلم يتبع المعلوم، ويتعلّق به على ماهو عليه، فإنه صفة انكشاف، وحكاية للمعلوم ماهو صفة تأثير، و المعلوم هو أن منكم مهتدياً ومنكم ضالاً، فانتفت مشيئته هداية جميعكم، لانتفاء تعلّق العلم بهداية جميعكم، وانتفى تعلّق العلم بهداية جميعكم، لكونكم مختلفين في الاستعداد، فمنكم مستعد للهدى، ومنكم مستعد للضلالة، والاستعداد لا علّة له، فإنه من سرّ القدر، وإلى هذا المنحى يشير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَ بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرعد: 13/ 11].

أي أنه تعالى، لا يغيّر حال قوم أو أحد، وينقلهم من حالة إلى حالة أدنى أو أعلى، في الظاهر، حتى يغيروا ذلك بأنفسهم، بمعنى يطلبون باستعدادهم، في الباطن، من الحق تعالى إيجاد تلك الحالة المنتقل إليها، وهو معنى التغيير، فليس للحق تعالى إلاَّ إعطاء الوجود لتلك الحالة المنتقل إليها، بطلبهم الاستعدادي، وإرادتهم لذلك، وهكذا على الدوام في جميع الأحوال، في جميع المخلوقات، فما حكم عليهم غير أنفسهم.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!