الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


249. الموقف التاسع والأربعون بعد المائتين

قال تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾[التحريم: 66/ 4].

الخطاب لعائشة وحفصة رضي الله عنهما تظاهرا تعاوناً على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإن الله هو مولاه، ناصره ومؤيده، وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، أعوان على نصرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انظر وتأمل أمر هاتين السيدتين تجده أ َمْرًا إِمْرا، وتعلم أن له ما المكانة الكبرى، حيث جعل تعالى نفسه في مقابلتهما نصرة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع جبريل وصالح المؤمنين وجميع الملائكة (صلى الله عليه وسلم) جميعهم فهل هذا إلاَّ شيء يذهل العقول، ولا يبقى معه معقول؟! وكم مرَّة ذكر سيدنا في الفتوحات هذه الآية مستعظماً لها وما كشف سرَّها.

وكشف هذا السر، وإيضاح هذا الأمر، بطريق النزر والإشارة، لا بالإسهاب وتفصيل العبارة هو أن المرأة من حيث ما هي امرأة مظهر مرتبة الانفعال، وهي مرتبة الإمكان. ومرتبة الانفعال لها الشرف الباذخ، و المجد الراسخ. فإنه لولاها، أي لول مرتبة الانفعال، وهي مرتبة الإمكان والقبول لتأثير مرتبة الفعل وجبهي مرتبة الألوهة مرتبة الأسماء، ماظهر لأسماء الألوهة أثر، ولا عرف لها خبر. إذ علّة التأثير والإيجاد مركّبة من الفاعل، وهي مرتبة الألوهة والوجوب، ومن القابل، وهي مرتبة الإمكان والانفعال. فلذا كان الفاعل لا يفعل في المستحيل، فإنه لا يقبل التأثير، ولا ينفعل لفعل الفاعل، مع ما حصلته هاتان السيدتان من الكمال بمظهريتهم لمرتبة أسماء الألوهة و التحقق بها. فإنَّ الكمال يكون في النساء، كما شهد بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فليس الكمال خاصاً بالرجال. والحق تعالى جلَّ وعزَّ أن يوصف بالانفعال، إلاَّ عن بعد، بالنظر إلى قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة:2/ 186].

وجبريل وجميع الملائكة ليس لها الجمعية التي للإنسان، ولا التحقق بمرتبة الأسماء، ولا المظهرية لمرتبة الانفعال. وصالح المؤمنين وإن كانوا يظهرون بجميع ما اشتملت عليه مرتبة الفعل، وهي الألوهة، وفيكونون مظهراً لها، فليس لهم أن يكونوا مظهراً لمرتبة الانفعال، التي للنساء التحقق بها. فلهذا السرّ كانت لهاتين السيدتين القوة العظيمة، التي أشارت إليها الآية الكريمة.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!