الفتوحات المكية

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر

وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم]

(و قال) : الذي أقول به: إنه لا كفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها في الجماع في الصوم لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يتعرض للمرأة في حديث الأعرابي ولا سأل عن ذلك ولا ينبغي للمؤمن أن يشرع شيئا فيما سكت عنه الشارع. وقال الذي أقول به: إن العارف إذا كشف له أنه يمرض غدا فلا يجوز له المبادرة إلى الفطر في ذلك اليوم حتى يتلبس بالسبب لأن اللّه تعالى ما شرع له الفطر إلا حال المرض قال: ونظير ذلك من كشف له عما يقع فيه من المعاصي ولا بد لا ينبغي له المبادرة ولو علم أن اللّه تعالى لا يؤاخذه لأن اللّه قد راعى حكم الشرع في الظاهر على أن هذا الأمر ليس عندنا بواقع أصلا وإن كان جائزا عقلا، وأطال في ذلك.

(و قال) : إنما كان صلى اللّه عليه وسلم يقدم الرطب على التمر إذا أفطر في رمضان لأن الرطب أحدث عهد بربه كما قال ذلك حين اغتسل في المطر. وقال: «السحر ما بين الفجر الصادق والكاذب» لأنه له وجه إلى النهار ووجه إلى الليل ولذلك كان السحور مشتقا من السحر فلا يسمى سحور إلا ما كان في هذا الوقت. (و قال) الذي أقول به: إن المفطر من صوم التطوع إن كان لهوى نفسه فعليه القضاء، وإن كان لشغله بمقام وحال فلا قضاء عليه. وقال في حديث مسلم: «صوم عاشوراء أحتسب على اللّه أن يكفر السنة التي قبله» أي فلا يؤاخذ من صامه بشيء مما جناه في السنة كلها وإنما قال: أحتسب على اللّه مع أنه على علم من اللّه أنه يكفر ذلك أدبا مع اللّه لأن العارف إذا قال أحتسب على اللّه لا يريد بها حسن الظن باللّه فقط وإنما يقولها عن تحقيق كما قال صلى اللّه عليه وسلم: «و إنا إن شاء اللّه بكم لاحقون» فاستثنى في أمر مقطوع به فالاستثناء في نحو ذلك أدب إلهي واللّه أعلم. وقال في حديث وأتبعه بست من شوال. اعلم أن هذه الأيام بدل من الستة أيام التي نهى عن صيامها وهي يوما العيد وثلاثة أيام التشريق، ويوم الشك، قال: وأما حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» فلأن في ليلة النصف من شعبان يكتب اللّه لملك الموت فيها من يقبض روحه في تلك السنة فيخط على اسم الشقي خطا أسود وعلى اسم السعيد خطا أبيض فيعرف ملك الموت بذلك السعيد من الشقي فكان الموت بعد هذه الليلة للمؤمن مشهودا حتى كأنه محتضر سكران فنهاه الشارع عن الصوم رفقا به ورحمة انتهى فليتأمل ويحرر.

(و قال) : دليل من أباح الصوم أيام التشريق قوله صلى اللّه عليه وسلم: «لا يصح صوم يومين: يوم عيد الفطر ويوم الأضحى» . قال: لأن الخطاب يقتضي أن ما عدا هذين اليومين يصح الصيام فيهما وإلاّ كان تخصيصهما عبثا. وقال من كان في مقام السلوك ودعى إلى طعام وشراب وهو صائم فلا ينبغي له الفطر لئلا يعود نفسه نقض العهد مع اللّه بخلاف العارف الكامل له الفطر بلا كراهة لإحكامه رياضة نفسه. وقال: كان داود يصوم يوما، ويفطر يوما وكانت مريم تصوم يومين وتفطر يومين، وتفطر يوما لأنها رأت أن للرجال عليها درجة فقالت: عسى يكون هذا اليوم الثاني من الصوم في مقابلة تلك الدرجة وكذلك كان فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم شهد لها بالكمال كما شهد للرجال وذلك أنها لما رأت أن شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد قالت: صوم اليومين بمنزلة اليوم الواحد من الرجل فنالت: مقام داود في ذلك وساوته في الفضيلة وأطال في الكلام على صوم ولدها عيسى عليه السلام الدهر كله. وقال في حديث: «من فطر صائما فله مثل أجره» أي أجر فطره لا أجر صومه لأن الصائم له أجر في فطره كما كان له في صومه إذ الفطر عند الغروب من تمام الصوم ومن أعان شخصا على عمل كان مشاركا له فيما يؤدي إليه ذلك العمل من الخير مشاركة لا توجب نقصا كما أن كل نبي يعطى أجر الأمة التي بعث إليها سواء آمنوا به وكفروا وأطال في ذلك.

(و قال) في حديث: «كان صلى اللّه عليه وسلم إذا دخل العشر الآخر من رمضان أحيا ليله وأيقظ أهله» المراد إحياؤه بالصلاة فيه هذا هو المعروف من قيام الليل في العرف الشرعي. وقال الذي أقول به: إن ليلة القدر تدور في السنة كلها قال: لأني رأيتها في شعبان وفي شهر ربيع، وفي شهر رمضان ولكن أكثر ما رأيتها في رمضان وفي العشر الآخر منه ورأيتها مرة في العشر الأوسط منه غير ليلة وتر وفي الوتر منها فإنا على يقين من أنها تدور في السنة في وتر وشفع من الشهر الذي ترى فيه ولم ينقل إليها أن أحدا رأى ليلة القدر في العشر الأول من رمضان أبدا وذلك لأنها ليلة تجل إلهي ولم يرد لنا حديث في أن الحق تعالى يتجلى لنا في الثلث الأول من الليل أبدا. (قلت) : ورد أن اللّه تعالى يتجلى ليلة الجمعة من غروب الشمس إلى صلاة الفجر فربما كشف اللّه عن قلب بعض الناس فيرى ذلك التجلي فيعتقد أنها ليلة القدر ولعلها شبهة من يقول: إذا وافق الوتر من رمضان ليلة الجمعة كانت قدرا واللّه أعلم. (و قال) : الذي أقول به: جواز الاعتكاف في غير المسجد إلا أنه خلاف الأفضل وإذا اعتكف في غير المسجد، جاز له مباشرة النساء بخلاف المسجد لا يجوز له ذلك لأن الشهود للحق الذي هو شرط في الاعتكاف يبطل بالرجوع إلى حظوظ النفس فلا يجتمع شهود الحق والنفس ومن هنا حرم الأكل في الصلاة فافهم.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!