البحث في كتاب الفتوحات المكية

عرض الصفحة 507 - من الجزء 2 - الفتوحات المكية

  االصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  
 

الصفحة 507 - من الجزء 2 - الفتوحات المكية


من أهل الله إلا بالعطف الإلهي فإذا ورد العطف الإلهي على العبد رزقه الله وجدان هذه الحلاوة في باطنه فيجذبه إليه تعالى لأن النفس مجبولة على الميل إلى كل ما تستلذه ومن أشد حلاوة من هذا الفتح مر علي في هذا الزمان لما تلي علي ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ فلم أجد لذة أعظم من لذة وإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ فهذه أعظم بشرى وردت علي ثم إنه تليت على مرتين في زمانين متتابعين فزادني إعجابا بها تكرار التلاوة علي بها وتكرار التلاوة فينا مثل تكرار نزول الآية أو السورة على الرسول مرتين كما جاء في نزول سورة والمرسلات وغيرها إنها نزلت مرتين فإذا عطف الحق على عبده بهذه الحلاوة فجذبه إليه بها ليمنحه علما لم يكن عنده فإن لم يجد علما فليس بجذب ولا تلك حلاوة فتح فذلك من علامات فتح الحلاوة وإنما يفعل الحق ذلك لتكون حركة العبد معلولة لأنه معلول في الأصل وذلك لإقامة حجة الله عليه فإن العبد يزهو بالقوة الإلهية التي عنده فربما يرى أن له تنزيها بانجذابه إلى الحق دون غيره من العبيد ويزعم أن ذلك إيثار منه لجناب الحق فجعل الله انجذابه عن حلاوة فإن زها كما قلنا قامت الحجة علينا بأنه ما أخذ به إلى الحق إيثار جناب الحق بل وجدان الحلاوة والالتذاذ فلنفسه سعى ولله المنة وحده لا منة لا حد على الله وله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ لا حجة لا حد على الله وكل من قال بغير هذا من أهل الله فإنما قالها شطحا لا حقيقة لغلبة الحال عليه فهو لسان حاله لا لسانه فإذا أفاق قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ فإن قلت فما معنى الجذب هنا مع كونه معه قلنا ليس أحد مع الحق من حيث ما هو الحق لنفسه وإنما هم مع الحق من حيث ما أقامه الحق فيه فيكون من الحق الجذب بهذه الحلاوة من الحال التي أقامه الحق فيها لحال آخر يفيده فيه علما لم يكن عنده ذوقا هكذا على الدوام إلى ما لا نهاية له وسماه جذبا لأن العبد لا بد أن يتعشق بحاله ويألفه فلا ينجذب عنه إلا بما هو أعجب إليه منه فلهذا فتح له في الحلاوة لتخلصه مما وقف معه فإذا انجذب إلى الحق صحبه حاله الذي كان عليه أيضا لأنه لا يفارقه إذ المعلوم لا يجهل فبقي حكم الجذب إنما متعلقة أن لا يتركه يقف مع حاله فيقتصر عليه فيحدث له التشوق إلى تحصيل أمر آخر ليس عنده مع صحبته لما كان عليه من الحال فاعلم ذلك وليس كل أهل الله على هذا القدم الذي ذكرناه وإنما هذا الذي ذكرناه حال الأكابر منهم فإن جماعة من أهل الله يشغلهم ما رجعوا إليه عما كانوا عليه فإن الله قد رفع بعضهم على بعض وفضل كل صنف بعضه على بعض فقال تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ واعلم أن أصل وجدان هذه الحلاوة فينا من الجناب الإلهي من الحلاوة الإلهية التي يتضمنها صريح‏

قوله عليه السلام لله أفرح بتوبة عبده‏

الحديث فمن هناك نشأت هذه الحلاوة في باطن أهل الله فإن فهمت فقد رميت بك على الطريق ولا يعرف هذا إلا العارفون بالله المنعوت في الشرع لا المدلول عليه بالعقل وهكذا جميع ما يأتي من مثل هذا الباب وليس للضحك الإلهي ولا التبشبش مدخل في هذه الحلاوة بل ذلك للفرح فلا تخلط ولا تقس فإن طريق الله لا تدرك بالقياس فما كل أمر يشبه أمرا له حكم ذلك المشبه ليس الأمر كذلك وإنما له منه حكم ما وقع الشبه به كالحمصة تشبه اللؤلؤة في الاستدارة وما لكل واحدة منهما حكم الأخرى كما تختلف العلل أيضا مع أحدية المعلول إذا كان المعلول محمولا كالاستدارة التي وقع التمثيل بها وهي أمر محمول في المستدير كان المستدير ما كان فعلة استدارة الفلك ليست علة استدارة اللؤلؤ فاختلفت العلل لاختلاف محال المعلول والمعلول الاستدارة فاحذر من القياس في العلم الإلهي بل إن تحققت الأمور لم يصح وجود القياس أصلا وإنما هو من الأمور التي غلط فيها أهل النظر في إن حملوا حكم المقيس عليه على المقيس فهذا قد بينا في هذا النوع من الفتح قدر ما تقع به الكفاية لمن أراد تحصيله ذوقا من نفسه فإذا ذاقه علم ما يحتمله من البسط وأما النوع الثالث من الفتوح وهو فتوح المكاشفة الذي هو سبب معرفة الحق اعلم أولا أن الحق أجل وأعلى من أن يعرف في نفسه لكن يعرف في الأشياء فالمكاشفة سبب معرفة الحق في الأشياء والأشياء على الحق كالستور فإذا رفعت وقع الكشف لما وراءها فكانت المكاشفة فيرى المكاشف الحق في الأشياء كشفا كما يرى النبي صلى الله عليه وسلم من وراءه من خلف ظهره فارتفع في حقه الستر وانفتح الباب مع ثبوت الظهر والخلف‏

فقال إني أراكم من خلف ظهري‏

وقد ذقنا هذا المقام ولله الحمد فلا يعرف الحق في الأشياء إلا مع ظهور الأشياء وارتفاع حكمها فأعين العامة لا تقع إلا على حكم الأشياء والذين لهم فتوح المكاشفة



- الفتوحات المكية - الصفحة 507 - من الجزء 2


 
  االصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  
  الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لطبعة القاهرة (دار الكتب العربية الكبرى) - المعروفة بالطبعة الميمنية. وقد تم إضافة عناوين فرعية ضمن قوسين مربعين.

 
عرض الأبواب الفصل الأول فى المعارف الفصل الثانى فى المعاملات الفصل الرابع فى المنازل
مقدمات الكتاب الفصل الخامس فى المنازلات الفصل الثالث فى الأحوال الفصل السادس فى المقامات (هجيرات الأقطاب)
الباب الأول الجزء الثاني الجزء الثالث الجزء الرابع

Ibn al-Arabi Website:


The Sun fromthe West:


The Single Monad:


Mohamed Haj Yousef:



إنكليزي English

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!

Moonlight floods the whole sky from horizon to horizon. How much it can fill your room, depends on the windows !
Jalaluddin Rumi [The Essential Rumi by Coleman Barks - -]
quote